كثيرا ما أهدى البحر كنوزه للناس؛ فهو مليء بالعجائب وبالمسرات والأسرار، ففيه أرزاق عاشت منها مدن وقرى وسواحل، والسمك هدية كاملة الاناقة والمنفعة يعرف اسرارها الصيادون ويقدر قيمتها من بعدت به المسافة عن الساحل وشح عليه طعام البحر.
صناعة المالح صيغة مميزة لحفظ السمك أبدعها أهل الساحل ليقدموها لأبناء الجبال البعيدة عن البحر، فقد ظهرت تلك الصناعة في مواسم الصيد الوفيرة واستخدموا فيها مقادير دقيقة لمواد الحفظ، حتى أصبحت وجبات المالح من الأكلات المحببة لأبناء الإمارات في كل مكان حتى يومنا هذا.وعن تلك الصناعة المميزة تحدث عبد الله محمد الظنحاني، رئيس جمعية دبا للثقافة والفنون والمسرح قائلاً: اشتهرت المنطقة الشرقية بشكل خاص بالأسماك المملحة، والتي يطلق عليها اسم (المالح)، وتعود هذه الطريقة التي تحفظ بها الأسماك المملحة إلى زمن ليس بقريب؛ فقد توارثها الأجداد والآباء، ولاتزال قائمة وتقاوم لتبقى حتى يومنا، وعلى الرغم من التطور التقني والتكنولوجي إلا أن الطلب عليها لا يزال قائما.
وصناعة المالح التقليدية تقوم على إعداده من اسماك الكنعد والقباب وتكون على نوعين ما يعد من سماك القباب الصغير، حيث توضع سمكة بكاملها ماعدا الرأس، أو ما يعد من الأسماك الكبيرة ويكون على شكل قطع بحجم الكف، ويعد المالح في نهاية فصل الشتاء نظرا إلى هجرة اسماك القباب إلى الساحل الشرقي، ووجودها بكثرة في هذه الفترة، فيقوم الصيادون بالذهاب خلال رحلات مخصصة لصيد هذا النوع من السمك، وجلبه بكميات كبيرة تزيد على الحاجة لأكله مباشرة.
ويتحدث الظنحاني عن طريقة اعداد السمك المالح قائلا: يعد المالح من الاسماك الطازجة بعد جلبها مباشرة من البحر، وتفريغها على أرضية الميناء، حيث يقوم المختصون بعملية التمليح ابتداء بشق السمكة إلى نصفين ونزع العظم الأوسط والرأس والزعانف، وبعد ذلك تقطع السمكة إلى أجزاء داخلية دون المساس بشكلها العام لتبقي على هيئتها كاملة، ويوضع الملح الخشن داخلها، ويتم تجميع من 10 إلى 20 قطعة على حسب حجم الوسط مع الملح الناعم، وتوضع داخل وعاء من البلاستيك، وترص بشكل جيد وتترك لمدة تتراوح بين 40 يوما إلى الشهرين.
وفي الماضي كان يؤتى بالملح على شكل قوالب كبيرة، وتوضع داخل كيس من الخيش، ويتم تكسيرها إلى أن تصبح بالشكل المناسب لتملح السمك، وكانت النساء تقوم بتلك العملية لمساعدة الرجال في عملهم ولسرعة تجهيز الأسماك قبل أن تتعرض للتلف، حيث تتوافر كميات كبيرة من السمك أحضرت من اجل اعداد المالح، وبعد مضي المدة المقترحة لنضج المالح يتم فحص إحدى العلب.
حيث يقوم الأشخاص العارفون وذوو الخبرة بعملية الفحص، ثم يتم بيعه للأهالي وتوزيعه على العائلة. ويضيف الظنحاني: اعتاد الناس على أكل المالح في فصل الصيف وتخزينه إلى فصل الشتاء نظرا إلى التقلبات الجوية وعدم المقدرة على الذهاب لعرض البحر لجلب الأسماك، كما اعتادوا على أكل المالح بعد الأعياد، وخصوصاً عيد الفطر نظرا إلى اعتياد الناس على تناول اللحوم والدجاج فيكون تغييراً لهم وراحة للأمعاء بعد طول عناء خلال شهر رمضان المبارك.
وكانت أسعار المالح بسيطة لا تتجاوز خمسة دراهم، لكنه الآن أصبحت أسعاره بين 200 إلى 300 درهم للوعاء الذي يحتوي على عشرة قطع تقريبا، وذلك يعود إلى ارتفاع سعر الأسماك فلقد كان سعر السمكة الواحدة في الماضي القريب بربع درهم خلال الموسم، وأصبحت الآن عشرة دراهم وكذلك سعر المالح.
والمالح صناعة عائلية يشارك فيها النساء والرجال، تقول مريم سالم: في الماضي كانت حياتنا مرتبطة بالبحر، ورزقنا منه، وكنا في مواسم الصيد نجد في العمل مع الرجال لصناعة المالح؛ فندق الملح ونغسل السمك ونجهز الأواني الفخارية لحفظه، وهناك نساء يقمن بتمليح السمك، وكان الجميع يتحاشدون في هذا الوقت للعمل سريعا قبل أن يفسد السمك، وكان حفظ السمك بهذه الطريقة يشكل مؤونة للشتاء حين يشح الصيد ولا توجد أسماك كثيرة، وكانت الرجال يبيعون المالح في الأسواق لأهالي المناطق البعيدة عن الساحل لأنهم لا يستطيعون حمل السمك الطازج من دون أن يفسد، إذ يستمرون في رحلتهم عدة أيام.
وتشير سالمة حميد إلى أن طرق طهي المالح عديدة لأنه يتميز بمذاقه الجيد، خصوصاً إذا كان محفوظا بطرق صحيحة مع المطيبات، حيث كانوا يضيفون الاعشاب العطرية كالنعناع والريحان والليمون والزعتر إلى السمك لحفظه، وكانوا يستخدمون الخرس المصنوع من الفخار قديما، ونحن نطبخ منه برياني المالح أو المجبوس، ويتم اعداد المالح لطبخه بنقعه في الماء لساعات عدة، حتى تزول الملوحة منه، ثم يطبخ مع العيش والبصل والكزبرة واللومي والبهارات المتنوعة مثل الهيل والقرفة، وهذه الأكلات تكون وجبات مميزة لنا لأنها تعطينا طعم السمك بنكهة خاصة تتقنها المرأة الاماراتية وتعرف أسرارها.
وقد تعددت طرق حفظ الاسماك فهي لم تقتصر على تمليح السمك، وانما كانت طريقة التجفيف من أهم الطرق التي تعامل بها البحارة، وحفظت بها كميات الاسماك الكبيرة، حيث يشير جمعة بن سالم إلى أن الصيادين كانوا يجففون الاسماك بطرق مختلفة، ومنها اعداد (الجاشع) التي تتم بتجفيف الاسماك بعد نزع الاحشاء الداخلية منها وتمليحها وربطها بحبل، وتعليقها بالهواء الطلق تحت أشعة الشمس.
وفي حالات وجود كمية كبيرة من الاسماك يفرش لها حصير من الخوص، وتنشر عليه حتى تجف، ومن تلك الاسماك سمك العومة والخابط والصافي وغيرها من الاسماك، ولابد من قطع رؤوس الاسماك عند تجفيفها لكي لا تتسبب في فساد طعمها، كما يمكن أكل الاسماك المجففة من دون طهي أو اعداد وجبات لذيذة منها السحناه الذي يعد من سمك البرية المجفف ويوضع على العيش مع السمن.
وكانت الاسماك المجففة زوادة في الطرق الطويلة للمسافرين بين المناطق المختلفة فهي يمكن أن تحفظ لمدة زمنية طويلة شرط أن تكون في مكان جاف، وقد كان سكان المناطق البعيدة عن البحر يقايضون بضائعهم بأنواع السمك المالح والمجفف ليعود به محفوظا إلى بيوتهم يمكن تناوله في أي وقت.
دبي- دلال جوي

