لا زيارة للقاهرة في شهر رمضان إلا بزيارة محكى القلعة وقضاء واحدة من لياليه التى تحمل عبق التاريخ وتمتد حتى مطلع الفجر.. في هذا المحكى فقط يمكنك أن تعيش ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة، دون أن تتكلف شيئا.. فقط ما عليك إلا أن تتوجه وأنت في أي مكان في القاهرة إلى قلعة صلاح الدين الأيوبي بمنطقة السيدة عائشة وسط القاهرة، هناك ستجد نفسك في عالم آخر.
وزمن مختلف، لتشعر بأنك قد ركبت آلة الزمن بوجودك وسط مبان كثيرة تحمل طرزا معمارية لقرون مضت، تفوح منها رائحة التاريخ لتملأ أنفك برائحتها الزكية.أول ما تطأ قدماك باب القلعة ستجذبك روائح مصر القديمة وعبق الماضى الذى مازال يحتفظ لهذه المنطقة التاريخية بخصوصيتها وجمال مبانيها الفريد، وبشكل خاص قلعة صلاح الدين الأيوبي التى تعتبر واحدة من أهم القلاع الحربية التى بنيت في العصور الوسطى ، وأول من فكر في بنائها السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في عام 572 هـ / 1176م بحيث تكون حاجزا طبيعيا مرتفعا بين مدينتي القاهرة والفسطاط، وبالتالى يحتمى بها المصريون في حالة سقوط مدينتهم في أيدى الأعداء.
العودة لقرون مضت
نعود إلى محكى القلعة أو على وجه التحديد ليالى رمضان، فعندما تقودك قدماك إلى داخل القلعة ستنسى تماما أنك تنتمي إلى القرن الحادى والعشرين، حيث ستستقبلك قبة عالية بزخارف إسلامية كتب عليها ليالى رمضان، وعندما تستمر في خطواتك وعلى أنغام المزمار الصعيدى ستجد نفسك مبهورا بعروض عدد كبير من الفرق الشعبية التى تقدم عروضها اليومية داخل المحكى، وسيلفت انتباهك تنوع هذه العروض كونها تمثل الثقافات المختلفة لكل أنحاء مصر بدءا من العاصمة القاهرة حتى أقاصي الصعيد في جنوب مصر.
ليس هذا فقط، بل هناك العديد من المسارح والمقاهى التى تقدم عشرات المواهب الغنائية التى تعيدنا إلى زمن الطرب الأصيل، حيث ينشدون أغانى كوكب الشرق أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وفريد الأطرش وفايزة أحمد وغيرهم من كبار المطربين والمطربات في العالم العربي.
ولكى تكتمل منظومة الزمن المختلف الذي تشعر بأنك أحد أبنائه وأنت داخل محكى القلعة فلن يكون صعبا عليك التجول بين معارض مختلفة أقامتها هيئة قصور الثقافة لمنتجات تمتد بجذورها إلى قرون مضت، حيث الخيامية والخزف والحلي بجميع أشكاله والتشكيل بالطين إضافة إلى المنتجات الأثرية التى تحمل الهوية المصرية عبر العصور وتحتل الأهمية في احتياجات السائحين العرب والأجانب عند زيارتهم إلى القاهرة سواء في رمضان أو غيره من الشهور.
روح القاهرة
ليالى رمضان هى فكرة قال عنها الدكتور «أحمد مجاهد» رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، وهى الجهة التي تتولى تنظيم ليالى رمضان، هى فكرة تهدف إلى تقديم الثقافة بمفهومها الواسع أمام شرائح مختلفة وعريضة من المصريين الذين يريدون التعرف إلى تاريخ بلادهم، كذلك تعد تلك الليالى إحدى الوسائل المهمة لتعريف الزائرين لمصر من السائحين على اختلاف جنسياتهم بالثقافة والفن في مصر عبر العصور.
أشار مجاهد إلى أن أهم ما روعي في ليالي هذا العام التى تقام للعام الثالث على التوالى بمحكى القلعة بعد انتقالها من حديقة الفسطاط ، هو أن تستحضر، سواء على مستوى الأنشطة أو المكان الذي تقام فيه، روح القاهرة في فترات ازدهارها الثقافية، بحيث يتعرف الزائر للمحكى كيف كانت الثقافة المصرية متفوقة على مدار العصور المختلفة وكيف كانت قبلة المثقفين العرب والأجانب وقلعة الفن والفكر.
مزج الماضى بالحاضر
والزائر لمحكى القلعة سيجد كل ذلك متجسدا فيما تقدمه الليالي من أنشطة فنية ومسرحية وتشكيلية، حيث الفنون البصرية كخيال الظل إلى جانب تقديم السير الشعبية الشهيرة.. أيضا وفيما يشبه بعملية مزج الماضي بالحاضر يحفل المحكي بالعديد من الندوات التى تتناول القضايا والأحداث الثقافية المعاصرة. وفى جولتنا بين هذه الأنشطة المتنوعة، كانت البداية بالأنشطة السمعية والبصرية، حيث أمسيات الغناء الأصيل على المسرح الرئيسي بالقلعة، ويحيي هذه الأمسيات عدد من المطربين المعروفين بالأصالة والذين تعودوا إقامة حفلاتهم الغنائية داخل الأوبرا المصرية ومن بين هؤلاء محمد الحلو، علي الحجار، أحمد الحجار، ، أحمد إبراهيم، أيضا هناك أمسيات الفرق الشعبية الشهيرة كفرقة السمسمية التى تقدم عروض التنورة مصحوبة بالمزمار والدفوف.
السير الشعبية
ومن الغناء والرقص الشعبى إلى واحة الشعراء، فإذا كنت من ذواقي الشعر الأصيل فبإمكانك الجلوس بجوار عشرات الشعراء الذين يروون تجاربهم الشعرية كل ليلة مصحوبة بإلقائهن أهم القصائد التى قاموا بكتابتها عبر مسيرتهم الشعرية.
أما هواة السير الشعبية، الذين يسعون للتعرف على الأشكال المتنوعة والمختلفة لرواية السيرة الهلالية، فما عليهم إلا الانتقال إلى ركن خاص داخل المحكى ليستمعوا لأشهر رواة السير الشعبية، وبخاصة أبناء أهل الصعيد المعروفة عنهم مهارتهم الفائقة في عرض هذه السير، ومنها تغريبة قبيلة بني هلال من اليمن عبر الحجاز والشام والعراق وصولاً إلى مصر وتونس والسودان ونيجيريا وغيرها من الروايات الشهيرة.
وفيما يشبه معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يقام كل عام.. حرص القائمون على المحكى أن تضم الليالي ركنا خاصا بالكتب تباع فيه أحدث الإصدارات وأشهر المؤلفات القديمة، على أن تباع بتخفيضات تصل إلى النصف من ثمن عرضها خارج ليالي رمضان.. ولو كنت من هواة قراءة الكتب التاريخية المهمة ستفاجأ بعناوين مهمة على غرار بدائع الزهور، وملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي، وخطط المقريزي.. وغيرها.
مقهى نجيب محفوظ
ويظل نجيب محفوظ الغائب الحاضر في ذاكرة مصر التاريخية، باعتباره أشهر من عبر عنها في كتاباته ، لذلك لن تفوتك زيارة مقهى نجيب محفوظ الذى بمجرد أن تقودك قدماك إليه ستطالعك صورة كبيرة للأديب الراحل نجيب محفوظ وهو يتأمل القاهرة.
وستقرأ لوحة تقول هذا «مقهى نجيب محفوظ»، وبداخل هذا المقهى ستجد عشرات المثقفين ونجوم الفن، يتناقشون فيما بينهم في الكثير من القضايا الثقافية، ليس هذا فقط بل خصص المقهى ندوة يومية لأحد المثقفين من ذوي الصلة بعالم نجيب محفوظ ليحكى عنه وعن ذكرياته مع محفوظ ، هذا إلى جانب الكثير من القضايا الثقافية والمجتمعية التى يناقشها عدد كببير من الكتاب والمثقفين.
طقوس مملوكية
لكن أكثر ما يجذبك إلى الماضي الركن الخاص بـ «الحارة المملوكية» التي تستعيد روح التاريخ في مكان معد على هيئة خانات متوالية، وكأنك في حارة تجارية قديمة، لتشعر بأنك تعيش في العصر المملوكى بجواريه وعبيده وكل طقوسه القديمة البديعة، حيث ستجد أمامك بائع العرقسوس أو رجلا يحفر في أوان نحاسية أو جارية تتجول هنا وهناك في انتظار سيدها أن يأتى وغيرها من المظاهر التى تجعلك تشعر وكأنك في أحد القصور الفخمة لسلاطين مصر في عصر المماليك ، ولإضفاء المزيد من الجمال والروحانيات على هذا المكان حرص القائمون على الحارة المملوكية على مزج كل ذلك بابتهالات دينية لكبار المنشدين.
وتحتل معارض الفن التشكيلي مكانا مهما وسط ليالي رمضان بمحكى القلعة، حيث يوجد معرض دائم للفن التشكيلي، كذلك الأطفال لهم مجموعة كبيرة من العروض كعروض مسرح عرائس، وعروض أراجوز، وخيال الظل، وعرض الليلة الكبيرة، كما يوجد أيضًا معرض للحرف البيئية يضم مشغولات من النسيج والأواني النحاسية والفضية المحفورة بأزاميل فنانين يقومون بممارسة إبداعهم بشكل حي أمام الجمهور.
خدمة: دار الإعلام العربية

