شهر رمضان المبارك الذي منحه الخالق عز وجل خصوصية تفوق بقية شهور العام، يحظى بقبول وتوحد إسلامي عالمي قلما تجده في مناسبات أخرى، فهو الشهر الذي يجمع الأب والأم والأبناء على هيئة أسرة متماسكة بمثالية الشعور الاجتماعي والديني والروحاني، بعدما فرقتهم ظروف العمل ومتطلبات العصر العالمي الجديد،.

وهو الذي يزيح غمامات الشر والبغض عن قلوب الجيران، فتراهم يتشاركون في حياتهم كما الإخوان، وهو الذي يوحد مشاعر أبناء البلد الواحد في قالب من الوحدة والتكافل، مثلما أنه يمنح الدول على اتساعها وخصوصياتها مزيداً من الشعور تجاه الإنسانية جمعاء.. فهو حق شهر مبارك وكريم. في «عادات» رمضانية، نستدير على امتداد الكرة الأرضية لنمنح الحقيقة الرمضانية في شتى الدول الإسلامية شيئاً من الواقعية والتبسيط على صفحات «الحواس الخمس»، الذي يأخذ على عاتقه سرد تفاصيل رمضانية شتى، تفوح منها ملامح دينية واجتماعية، تغلفها تقاليد وأعراف وعادات شعوب متباينة.. وهذه المرة نحط الرحال في سلطنة عُمان، لنتعرف بتفصيل أوضح على ملامح الشهر الفضيل هناك، تماماً كما يعيشه أبناؤه، وكما يرويه القادمون من هناك.

العمانية بسمة سعيد علوي، التي تقيم في الدولة منذ بضعة أعوام، تقول إن لرمضان في سلطنة عُمان مذاقاً خاصاً وملامح تبدو متميزة في تفاصيلها الصغيرة، فعادات العُمانيين تظل في غاية البساطة والجمال، ويتهيأ الناس هناك لاستقبال شهر الصوم منذ وقت مبكر، وقبل موعده بشهور.. تشتد ملامح الخير.

ويتواصى الناس بعضهم بعضاً في مختلف شؤون الحياة، وفي الليلة الأخيرة من شهر شعبان تتجلى تلك المشاعر، حيث يخرج الكثيرون لمشاهدة هلال رمضان، وتراهم يبحثون عن الأماكن المرتفعة طلباً للفوز برؤية الهلال؛ حيث إن لرؤية الهلال مكانة عند العمانيين، فمن يسبق إلى رؤية هلال رمضان يشتهر اسمه بين الناس ويذيع صيته.

وكما توضح، فإن الليالي الرمضانية في عمان لا تختلف كثيراً عن غيرها من الدول الخليجية، حيث يصر أبناء القرية أو الحي على التواجد بشكل يومي وبكثافة في المساجد لأداء صلاة التراويح، وبالإضافة إلى اجتماع أهل عُمان وقت أداء الصلوات المكتوبة؛ يجتمع الناس في حلقات لتدارس وقراءة القرآن بعد الفجر والعصر من أيام رمضان؛ كما يجتمعون عند تناول طعام الإفطار في البيت بالنسبة للعائلة الواحدة.

أو في المسجد بالنسبة لأهل الحي الواحد؛ ويلتقي الجميع لشرب القهوة بعد أداء صلاة التراويح؛ ومن العادات المميزة عند العُمانيين اجتماعهم في اليوم السابع والعشرين في الأسواق لشراء مستلزمات العيد.

كما تعقد خلال الشهر المبارك، مجالس الصلح والمصالحة بين المتخاصمين والمتشاحنين والمتنافرين؛ حيث يسامح المتخاصمون بعضهم بعضاً، ويتناسون ما كان بينهم من شحناء وبغضاء، ويصل المتقاطعون ما أمر الله به أن يوصل، لا سيما في جانب صلة الرحم.

أهل الخليج عموماً عاداتهم متقاربة وأعرافهم متشابهة؛ حيث تتنوع الأكلات الرمضانية عندهم، ومنها «الشربة» و«الهريس» ألاو«الثريد»، وغيرها من الأكلات الخليجية المشهورة في الشهر الكريم، وفيما يتعلق بالحلوى، فأهل السلطنة تميزوا عمن سواهم من أهل الخليج بـ «الحلوى العمانية»، التي لا يخلو منها البيت العماني طيلة أيام العام، ولها أنواع عدة تتفاوت في قيمتها ومكوناتها، وتأتي في مقدمها «السلطانية» أغلى أنواع الحلوى.

ولا يحصل عليها إلا علية القوم من شيوخ القبائل وكبار التجار، نظراً لقيمتها المرتفعة، تليها حلوى «بركا» وحلوى «نزوى» و«صحار»، وتأخذ هذه الحلوى ألواناً عدة، فمنها الأسود والأصفر والأحمر، ويتم إضافة اللوز أو الفسق إليها، وفي بعض الأنواع يضاف إليها الكاجو والزعفران والهيل والسمن العربي، وحديثاً تم إدخال التمر في هذه الحلوى، رغبة في تطوير صناعتها واستحداث مذاقات جديدة لها، بحسب ما تؤكد بسمة علوي.

وعلى صعيد الأكلات الرمضانية العُمانية الأخرى، تضيف بسمة أن الشوربة باللحم هي سيدة مائدة الإفطار غالباً، وتصنع الشوربة من حب البر العماني واللحم العماني، وتطبخ على نار الحطب، وتقوم النساء بطبخها من بعد الظهر، كما يوجد الهريس والسمنة بالحلباء أو الحبة الحمراء مثل ما يسمونها.

كما يتفنن أهل السلطنة في صنع القهوة العُمانية في شهر رمضان تحديدا، وعادة ما يقوم صاحب البيت بصنعها في بيته على أكمل وجه، وتضاف إليها أنواع من الرياحين كالهيل والزعفران وماء الورد، كما أن تناول قهوة الإفطار في شهر رمضان في المساجد عادة معروفة عند العمانيين.

ومن العادات الشائعة والمعروفة في عُمان، هو أن لكل مسجد بيت مال معلوماً، يطلقون عليه «وقف» لذلك المسجد، يتعهده وكيل المسجد؛ الذي يتولى أمور الإفطار وتحضيره في المسجد للذين يتناولونه، لا سيما الغرباء وعابري السبيل.

وفي المسجد يبدأ إفطار الصائمين بتناول التمر مع القهوة، قبل أن يقوموا لتأدية صلاة المغرب، ومن ثم التوجه إلى موائد الرحمن، ومنهم من يعود إلى البيت لتناول وجبة الإفطار مع العائلة.

وتوضح أن وجبة الإفطار الرئيسية عادة ما تحضر من الخبز العُماني والأدام المعد من اللحم أو السمك المشوي، وبعد صلاة التراويح تكون القهوة في انتظار الجميع، وبعد شربها مع التمر أو الرطب، يذهب العُمانيون إلى مجالسهم الخاصة أو لزيارة الأهل والأقارب.. أما السحور فعادة ما يتكون من الأرز واللبن أو الأرز وإدام اللحم البلدي.

وخلال اليوم الرمضاني العُماني، يبدأ الناس كما يقولون، أعمالهم منذ الصباح، بينما النساء يقمن بأعمالهن المنزلية، أو يذهبن لمشاركة أزواجهن في الحقول وغيرها.

وبعد صلاة الظهر يذهب الناس الى السوق يومياً لشراء حاجاتهم المنزلية، كاللحم العُماني، والسمك المشوي، وكل ما تحتاجه الأسرة، ومختلف المنتوجات التي تتوفر في السوق، تكون هي إنتاج محلي، ما عدا الأرز والأبزرة والقهوة والملابس.

وتختتم العمانية بسمة سعيد علوي حديثها عن الأجواء الرمضانية، بالقول إنه في عصر رمضان، ترى الناس يفرحون بدنو وقت الإفطار، وتنشغل النساء في تجهيز الوجبات الرمضانية البسيطة كما تبدو، ومما هو معروف في عُمان أن الجيران يتبادلون طعام الإفطار فيما بينهم، في أجواء مثيرة للمودة والإخاء وحسن الجوار، وقبيل غروب الشمس، تبدأ العائلات في إرسال ما لديها على مائدة الإفطار إلى الآخرين كالشوربة والدنجو وغيرها، وتظل المجالس مفتوحة للزائرين سواء أكانوا عابري سبيل أم غيرهم؛ فالناس تجتمع خلال رمضان أخوة سواسية، وتزول الضغائن والأحقاد من القلوب، وتبقى ملامح الود والإخاء فرضاً فيما بينهم، كما تبدو مظاهر الشهر الفضيل في سلطنة عُمان.

دبي ـ عنان كتانة