الضيافة مفهوم واسع وعميق يحمل في طياته أشكالاً جميلة للمحبة والترحيب والواجب الذي اقتضته عاداتنا وتقاليدنا ورسخته تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وتقديم القهوة العربية مثل طريقة مميزة من طرق الضيافة الأصيلة، فلا تعقد المجالس إلا والقهوة حاضرة تنشر عبقها بين الجالسين، ولا تكف عن ملاحقة الضيف إلا حين يرقص فنجانه معلناً الاكتفاء، حتى صار لضيافة القهوة لغة خاصة ينبغي أن يدركها الجميع فيعملون وفقها ويحترمون قوانينها.
والقهوة الإماراتية لها سمات خاصة في إعدادها وتقديمها تجعلها تمتلك خصوصية وتفرداً في طعمها ورائحتها؛ فهي قهوة معطرة تخلط مع أنواع من المطيبات تجعل نكهتها محببة قريبة من النفوس، كما أن لها أصولاً وقواعد في التقديم يعرفها الكبار والصغار؛ فلا يجوز الخطأ فيها، يقول حميد اليماحي، صاحب موقع قرية الطويين التراثي: قهوتنا العربية تعبر عن التزامنا بالتراث وأصول الضيافة العربية. إضافة إلى أن طريقة تقديمها يمكن أن تنقل رسائل معينة للضيف أو المضيف، فالفنجان لا يقدم ممتلئاً للضيف لأن تقديمه بهذه الطريقة يعني طرد الضيف وعدم الرغبة بوجوده.
وهي رسالة غير موجودة في أعرافنا، لذا يحذر الشباب عند صب القهوة من تقديم الفنجان ممتلئاً، ويجب مسك دلة القهوة باليد اليسرى وتقديم الفنجان باليد اليمنى، وكذلك على الضيف تناول فنجانه باليد اليمنى، وهي أعراف ثابتة لا يمكن تغييرها أو العبث بها، كما أن مقدم القهوة لا يتوقف عن صب القهوة للضيف إلا في حال اشارته بالاكتفاء، حيث يهز الضيف فنجانه دليلاً على كفايته من القهوة.وقد مثلت القهوة عنصراً أساساً من مؤن البيت الإماراتي، يقول الوالد محمد سيف ماسي الكعبي: كان الرجل يكد ويذهب أياماً عدة في رحلات طويلة لبيع (الصخام)، أو الغنم في أسواق الشارقة ودبي ليشتري بثمنها كمية من القهوة والسكر والعيش، والقهوة أهم شيء في المؤن التي يشتريها لأن البيت يمكن أن يكون خالياً من الطعام ولا يخلو من القهوة.
ويضيف الكعبي أن للقهوة أنواعاً عدة نشتريها من أسواق المدن، منها السيلاني، والقهوة الخضراء التي تكون أما مدربحة وأما عادية، ومن كان محصوله من البيع كبيراً يشتري القهوة السيلانية فهي الأجود، ولابد من تقديم القهوة للضيف قبل كل شيء، فحتى الذبائح فانها لا تساوي فنجان القهوة الذي يُستقبل به الضيف.
ويرى سالم محمد حميد أن صب القهوة جزء من ثقافة اجتماعية يعلّمها الأهل لأبنائهم؛ ففي المجالس يقوم الأبناء الشباب بصب القهوة حيث لا يجوز أن يكون الشباب جالسين بينما يقدم رب الأسرة القهوة لضيفه، وانما اقتضت العادات أن يقدم الابناء القهوة بوصفها جانبا من الفخر بهم وتعويدهم على قوة الشخصية ومواجهة الناس.
كما يشترط أن تكون يد من يصب القهوة ثابتة، لا تهتز، ويقدم الفنجان بطريقة يسهل تناولها وهو في الغالب يحمل مجموعة من الفناجين للتقديم خصوصاً في المجالس الكبيرة، وقد ظهرت في مجالس الميسورين مهنة جديدة هي مهنة (المقهوي) أو صباب القهوة، وأصبح الآن الناس يستعينون بأشخاص يرتدون الزي التراثي، ويصبون القهوة للضيوف في المناسبات والأعراس.
ويضيف اشتهرت بيوت كثيرة بلذة قهوتها بسبب دقتهم باختيار أنواع القهوة، وطريقة تحميصها ونسب خلطها بالمطيبات، وكانت عملية اعداد القهوة تمر بمراحل عدة، تبدأ بتحميصها في وعاء يشبه المقلاة الكبيرة يسمى (التاوة)، حيث يمسك الرجل بيد التاوة ويقلب حبات البن بالمحماس إلى أن تأخذ اللون المطلوب.
فهناك من يرغب بها شقراء وهناك من يحب أن تكون حمراء، ثم يدق البن المحمص في المنحاز الذي يكون مصنوعاً من النحاس الأصفر، وتمثل تلك العملية جزءاً مهماً من الترحيب بالضيف، حيث تسمى يد المنحاز الرشاد وهي مصنوعة من الحديد، حيث يجلس أحد الرجال إلى جانب موقد النار ويدق القهوة وأحياناً يتعمد إصدار أصوات متناغمة للدق تعبيراً عن إكرام الضيف.
وتختلف أنواع الدلال حسب مراحل إعداد القهوة؛ فالدلة الكبيرة التي تستخدم أولاً تسمى المخمرة، حيث توضع فيها كمية من البن مع الماء على الجمر في (الكوار) أي منقلة الفحم، وتترك حتى تغلي والمخمرة لا تفرغ كثيراً من البن، حيث تغلي مع بقايا البن والهال، ثم تنقل القهوة إلى الدلة الملكمة وتكون أصغر حجماً من المخمرة، وفي هذه المرحلة يضاف الهال والزعفران إلى القهوة، وتوضع على الجمر مرة أخرى ثم تصفى في دلة صغيرة لتقديمها تسمى المزلة، وهي أصغر الدلال تكون فيها القهوة صافية، وهي مناسبة للحمل والتقديم، وكانت الدلال في الماضي مع فناجينها تصنع من الفخار، حيث كانت الفناجين أكبر حجماً، مما هي عليه اليوم، كذلك صنعت الدلال من النحاس الأصفر وهي الدلال الموجودة حتى يومنا هذا.
وقد تعارف البدو على تسميات فنجان القهوة، حسب مرحلة شربه، حيث يسمى الفنجان الأول الهيف، وهو الفنجان الذي يشربه المعزب ليتأكد من جودة القهوة وعدم فسادها لأن القهوة (الصايدة) تعد عيباً كبيراً على صاحبها؛ فالقهوة معروفة بامتصاصها للروائح لذا ينبغي التأكد من رائحتها وطعمها قبل تقديمها، والا تعرض مقدمها للانتقاد الشديد، أما الفنجان الثاني فيسمى الضيف.
وهو فنجان مهم جداً يقدم للضيف وعليه أن يشربه لأن عدم شربه يعني إهانة مضيفه، أو يعني أن هناك طلباً لابد من الموافقة عليه، والفنجان الثالث يسمى الكيف وهو فنجان سهل جداً يمكن للضيف أن يشربه أو يتركه فليس عليه تبعات أو عواقب، بينما يكون الفنجان الذي يليه أكثر خطورة منه إذ يسمى السيف فإذا شربه الضيف فهذا يعني أن يتعاهد مع مضيفه على أن يكون معه في القتال وفي أوقات السيف.
وكانت الناس تتجنب شرب هذا الفنجان بسبب مسؤوليته الكبيرة، لكن هذه القواعد الصارمة بدأت تختفي اليوم ولم يبق منها إلا ضرورات الضيافة التي تقتضي تقديم القهوة بالطريقة الصحيحة، فقد اختفت الدلال اليوم من المجالس، واستعيض عنها بآنية حافظة للحرارة تشبه الدلة كما تغير شكل فناجين القهوة وأصبحت مصنوعة من مواد مختلفة وتحوي نقوشاً كثيرة، ومنها ما يكون مطعماً بالذهب أو الفضة لتعبر عن الفخامة والرخاء.
دبي - دلال جويد


