حول أسباب دخول الدراما الرمضانية لمناطق شائكة بداعٍ أو دون داعٍ، استطلع (الحواس الخمس) آراء النقاد في هذه الظاهرة، وخصوصاً أن هذه المشاهد ظهرت بقوة هذا العام وتعددت في الكثير من الأعمال متنوعة ما بين الإغراء والرقص وتعاطي المخدرات وغيرها، وأنها لم تكن مألوفة في الأعوام الماضية وأصبحت ظاهرة التفت إليها الكل مبدين استياءهم من بعض المشاهد التي خرجت عن روحانيات الشهر الفضيل.
يقول الناقد طارق الشناوي: «إن سر تركيز الأعمال الدرامية على شهر رمضان فقط هي السبب الرئيسي وراء وضع الكثير من هذه المسلسلات في مأزق، مقارنة مع الأعمال الدرامية السابقة، والتي كانت لا تحمل أي جرأة مما يتم عرضه حاليا».وأشار طارق إلى أن هذا لا يعد خللاً بقدر ما يعد محاولة لمجاراة ما يتم على الساحة، فالقنوات الفضائية أصبحت في تكاثر مستمر وتعرض كليبات ما هو أجرأ من ذلك، وإن كانت هناك مبالغة حقيقية دخلت على الدراما المصرية، خصوصاً أن الشاشة الصغيرة بحال أو بآخر تقتحم بيوت المشاهدين، وتجذب انتباه الأطفال قبل الكبار، ولذلك لابد أن تكون هناك معايير يتبعها صُناع الدراما، ويضعون في تفكيرهم جيدا أنهم يشغلون مساحات كبيرة داخل بيوت المشاهدين، وبالتالي يتأثرون بها تماما.
وأضاف طارق: «أعتقد أن الجرأة الحقيقية لابد أن تتركز حول القضية التي يطرحها العمل، وليست في استعراض النجوم بأنفسهم، أو وجود مشاهد لا تصلح بالشاشة الصغيرة؛ لكن للأسف أصبحت هناك العديد من الأعمال تلجأ للمط والتطويل دون داعٍ ووجود مشاهد لا تضيف للعمل بقدر ما تؤثر فيه».
مؤلفو السينما السبب
وترى الناقدة مها متبولي أن الدراما حاليا وصلت إلى درجة جيدة في صناعتها وهو أمر لا يمكن أن نغفله على جميع المستويات، خصوصاً بعد دخول العديد من التقنيات التي رفعت من مستوى تنفيذها، بالإضافة إلى دخول المؤلفين الشباب مجال التأليف الدرامي، وأغلبهم من مؤلفي السينما مثل تامر حبيب وأحمد عبدالفتاح وغيرهما، وبالتالي توسعت الرؤية أيضا في كتاباتهم، والتي غلب عليها التوجه السينمائي، وكان ذلك واضحا في كتاباتهم، ومع جميع هذه التغيرات بدأت الجرأة السينمائية تفرض نفسها على التليفزيون وذلك من ناحية المضمون.
أما الشكل، والكلام لمتبولي، فأنا لا أنكر أنه لا بد من مراعاة صُناع هذه الأعمال في المقام الأول إلى أن هذه الأعمال تدخل بيت الأسرة التي يكون فيها أطفال لا يحب آباؤهم مشاهدة بعض المشاهد الخارجة عن المألوف، وأنه مهما طغت السينما على التلفزيون لا يمكن للدراما أن تتشبه بها. وانتقدت متبولي بعض الأعمال التي لجأت للتعدي على أساسيات الدراما في شكلها، خصوصاً أنها تدخل بيوت المشاهدين، وأضافت أنها بالتأكيد ضد أن تقدم الأعمال بعض السلبيات ومنها شرب الخمر وغيرها بكثرة أو بتوسع؛ لأن المشاهد ليس في حاجة لمتابعة تفاصيل مثل هذه الأشياء.
وعلى الصعيد نفسه انتقدت الناقدة ماجدة موريس هذه الأشياء وحملت مسؤوليتها للمخرج أو مخرجة أي عمل، واتفقت مع القول إن الجمهور ليس في حاجة لمتابعة مثل هذه التفاصيل، لأنه من الممكن أن تصل له هذه الأشياء دون استفزازه والدخول في التفاصيل كافة، وانتقدت أيضا أن يعتمد الحوار أو السيناريو على «وصلات ردح» وما غير ذلك من إطلاق بعض الأعمال للألفاظ الفجة التي من الممكن أن يتم السماح لها في السينما، لكن لا ينطبق الأمر بالقطع على التلفزيون.
وليس معنى ذلك، والكلام لموريس، هو تحجيم الأعمال الفنية عندما يقرر نجم أن يدخل بيوت المشاهد، بل يجب أن يلتزم بعدم إزاء مشاعرهم أو فرض أشياء عليهم، وفي النهاية أعتقد أن التخمة التي شهدتها الدراما هذا العام كانت سببا وراء أن أصبح المشاهد يهرب من مشاهدة التلفزيون من الأساس.
الجمهور يتحمل المسؤولية
في حين يرى الناقد الفني نادر عدلي أن هناك مبالغة كبيرة في بعض الأعمال الفنية، وإن كان يرى أنه من الممكن أن تكون هذه الخطوط ليست إثارة للمشاهد بقدر ما تهدف لتقديم رسالة معينة أو تعبير عن أحداث الشخصية، وأكد أن هناك رقابة تعتبر جواز المرور لأي عمل فني، وإن كان هناك عمل خارج عن المألوف كان بالطبع سيخضع لمقص الرقابة. عدلي لا ينكر أن هناك عددا كبيرا من الأعمال وجه لها نقد كبير بسبب هذه الجرأة، لكن في النهاية المشاهدين أذكياء ويعلمون جيدا أن هذا العمل ليس إلا عمل فني يناقش قضية معينة، وعليه أن يأخذ الجانب الإيجابي، ويبتعد عن الجانب السلبي؛ فليس معنى أن فلاناً شرب خمرا أو مخدرات في عمل أن تكون هذه دعوة لإباحة هذه الأشياء.
«قضية رأي عام» البداية
الناقدة إيريس نظمي تؤكد بدورها أن هناك معايير فنية ورقابة تلفزيونية تتحكم في العمل الدرامي؛ ولذلك لابد من التزام الكل، وأن يدرك صُناع هذه الأعمال أن الفن لا بد أن يرتقي بالمشاهد، موضحة أنها ضد المبالغة في تقديم بعض القضايا؛ لأن هذا يحول القضية إلى قضية أخرى، ويفقدها مضمونها الحقيقي والرسالة التي تريد توصيلها، وهذا ما حدث منذ عامين في مسلسل «قضية رأي عام»، والذي ناقش قضية مهمة، ولكن بالغ المخرج بالتحديد في مشهد الاغتصاب مع أن المشهد لا يستحق كل هذا لتوصيل الرسالة.
وبعيداً عن تجاوزات الدراما الرمضانية، سأل (الحواس الخمس) خبراء وأساتذة الإعلام عن الدور المنوط بالدراما القيام به وكيفية مساهمتها في الارتقاء بذوق المشاهد دون إسفاف أو خروج عن المألوف، حيث قالت د. ماجي الحلواني العميد الأسبق لإعلام القاهرة بضرورة أن تنتبه الدراما سواء عرضت في رمضان أو غير رمضان لنوعية مشاهديها واحتياجاتهم، مؤكدة ضرورة أن تعكس هذه الدراما واقع المجتمع ومشكلاته وتضع حلولا لها كي تؤدي دورها بما يتفق ورسالتها المنوطة بها.
وعلى الرغم من التجاوزات التي ظهرت على الدراما المصرية خلال شهر رمضان، أكدت الحلوانى أن هذه التجاوزات ليست وليدة هذا العام، بل كانت السنوات السابقة شاهدة على وجودها في الدراما، ويعد مشهد اغتصاب يسرا في مسلسل «قضية رأى عام» أشهرها. وقالت: إذا كان النقاد قد تناولوا هذه المشاهد بالنقد والتحليل فإننا كأكاديميين نؤكد أهمية الاستفادة من الزخم الدرامي من خلال توجيهها نحو القيم الجميلة التي تنقلها الأعمال الدرامية إلى الجمهور دون أن يشعر أنه درس أو تعلم بصورة مباشرة.
وتعود الحلواني لتؤكد أن وجود العديد من التجاوزات هذا العام، ترجع إلى أن صانعي هذه الدراما لم يعد يقدموا ما يحتاجه الناس بقدر ما يبحثون عن الإثارة والخروج عن المألوف لجذب المشاهدين والإعلانات إليها، أى أنها سعت للربح فقط دون المضمون.
معايير فنية
وحول المعايير الفنية والرقابية التي تتحكم في العمل الدرامي؛ يقول د. صفوت العالم أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة: يجب أن تخرج الدراما العربية من إطار العشوائية التي تسير عليها إلى لعب دور كبير ومؤثر في الواقع والمجتمع، مشيرا إلى أهمية أن يكون للدراما أبعاد اجتماعية تتمثل في معالجة العديد من السلبيات التي ظهرت في المجتمع خلال السنوات الأخيرة وتقديم حلول بناءة لها دون أن يكون فيها نوع من السخرية والاستهزاء، كما يجب على الدراما أيضا تقديم موضوعاتها، أيا كانت بشكل مهذب يتفق ورسالتها دون أن تؤذي المشاهد في بيته أو تسيء لعاداتنا وتقاليدنا، لافتا أن هناك عبارات سيئة ترددت في الدراما وبدأ الشباب في الشارع والمنزل يرددها، وهو ما يؤكد التأثير الكبير للدراما على المجتمع سواء كان سلبا او إيجابا.
وأشار أن الدراما الرمضانية هذا العام، تناولت الكثير من الموضوعات المهمة ما بين الرومانسية والعنف والسير الذاتية وغيرها إلا أنها لم تلعب على سبيل المثال دورا مؤثرا في تربية الأطفال التربية الصحيحة أو تقديم نماذج ناجحة ومؤثرة في المجتمع.
حذر
يقول الناقد الفني رفيق الصبان: «على الأسرة في البيت الحذر لوجود مشاهد لا تتناسب مع الأطفال والعرض التلفزيوني عموماً»، لافتا أنه إذا كان في السينما يتم كتابة لافتة «للكبار فقط» فإن الدراما تقتحم البيوت مباشرة، وهنا يجب على الرقابة المصرية أن تضع خطوطا حمراء لمثل هذه النوعية من الأعمال، ويعتقد الصبان أن مقص الرقابة التليفزيونية دائما بالمرصاد لكل ما هو خارج عن المألوف.
القاهرة - دار الإعلام العربية

