لشهر رمضان المبارك مظاهر عديدة تختلف باختلاف البلاد.. أعراق وثقافات ولغات وعادات متباينة، تجعل من الشهر الكريم مناسبة متحورة في الشكل راسخة في المضمون، لأنه شهر كريم خصه المولى عز وجل بكثير من الخصال التي لا يزهو بها شهر غيره، ولذلك ترى المسلمين أينما وجدوا يكرمون شهر الصوم بمختلف الممارسات الحميدة.
المسلمون في شتى بقاع الأرض، بعضهم يقضي شهر رمضان في السهر والسمر، وبعضهم يهتم بالأطعمة المختلفة، ومنهم من يرى فيه فرصة مثالية لإعادة الصلة مع رب العالمين.. وتلك سمة يمكن ملاحظتها بقوة عند السواد الأعظم من المسلمين في ماليزيا. حدثنا سوشيليل عزم بن شعيب المدير الإقليمي للتعليم الماليزي في منطقة الخليج وشمال إفريقيا، عن عادات وممارسات رمضانية شتى في بلده ماليزيا، وهي التي ورثها المجتمع هناك عن الآباء والأجداد، ففي تلك الدولة المسلمة، تعم المظاهر الإيمانية خلال رمضان، وتمتلئ المساجد بالمصلين رجالاً ونساء وأطفالاً، حيث يواظب الجميع على أداء الفروض وصلاة التراويح وقيام الليل طيلة أيام الشهر الفضيل.
وكما يقول فإن المساجد في ماليزيا لا تغلق أبوابها طوال شهر رمضان، حيث يقبل المسلمون على إقامة الصلاة وقراءة القرآن في مجموعات، أو بشكل فردي، ولا تكاد تخلو المساجد من قارئ للقرآن أو مصل راكعاً أو ساجداً طوال ليالي رمضان، وتتعهد الأسر الماليزية على قراءة القرآن كاملاً في البيوت خلال شهر رمضان، وذلك في جميع أنحاء ماليزيا بقراها ومدنها.
أما الدروس الدينية والمواعظ، فهي تقام بعد صلاة الفجر مباشرة، حيث تتعدد الدروس في التفسير والعقيدة والأحاديث وغير ذلك من العلوم الدينية حتى تشرق الشمس، فينطلق الجميع إلى أعمالهم في حيوية ونشاط ليكملوا برنامجهم اليومي في العمل، فالصيام بالنسبة لهم ليس إلا مزيداً من العمل والنشاط والحيوية.
ويضيف عزام: بعد الإفطار يتوجه الماليزيون إلى المساجد استعداداً لصلاة العشاء والتراويح، وما إن ينتهوا من الصلاة حتى يلتفوا جميعاً حول العلماء والأئمة في المساجد لسماع دروس الفقه والتفسير والوعظ التي تنتهي عند الحادية عشرة مساءً، ثم يغادر معظم المصلين إلى بيوتهم، بينما يفضل البعض البقاء في المسجد لقراءة القرآن والعبادة.
وخلال الشهر الفضيل، تنظم مسابقات في حفظ القرآن الكريم، وأخرى دينية في موضوعات السنة والفقه والتفسير، التي تشمل الولايات الثلاث عشرة التي تمثل مملكة ماليزيا، فيما تقام بكل واحدة منها مسابقة عالمية لحفظ القرآن تشارك فيها أربعون دولة إسلامية، حيث يرجع تاريخ تلك المسابقات إلى أكثر من ثلاثين عاماً مضت، وتتركز بصورة كبيرة في مساجد العاصمة كوالالمبور، بحسب ما يؤكد سوشيليل عزام.
توان رزالي توان عمر، مدير السياحة الماليزية في منطقة الخليج العربي، تحدث بدوره عن أجواء عامة يعيشها الماليزيون خلال الشهر الفضيل، وقد أوضح أنه ومع اقتراب موعد أذان المغرب، فإن الرجال والأطفال يتجمعون في المساجد القريبة من منازلهم، فيما يقيم الأغنياء الموائد في المساجد والشوارع، أما في القرى فيتبادل الناس هناك وجبات الإفطار فيما بينهم.
وتبقى النساء في البيوت ليستعد الجميع لصلاة المغرب. وأضاف: إن الرجال يفطرون في المساجد على مشروب محلي يعدونه مع بعض التمر، ثم يصلون المغرب، وفي الوقت نفسه تكون النساء قد فرغن من الصلاة في البيت، وبدأن في إعداد المائدة التي تضم أطباقاً متنوعة، غير أن الأرز يبقى الطبق الأساسي فيها، ومعه يكون اللحم أو الدجاج، وهناك أيضاً «الكتوفة» وهي طبق الأرز المحشو داخل أوراق جوز الهند.
وتجدر الإشارة إلى أن الشبان يقومون بضرب الدفوف الكبيرة، إعلاناً لقرب موعد أذان المغرب، وبعد خمس دقائق من ضرب الدفوف يؤذن لصلاة المغرب، ثم نتناول بعض التمر والحلويات، قبل أن تذهب بعض الأسر لتناول طعام الفطور في المسجد كفطور جماعي، أما في المدن فتقوم لجان المساجد بجمع التبرعات لإعداد وجبات للفطور لبعض العاملين والموظفين الذين ليس لديهم أسر بالمدينة.
وضمن الأكلات الرمضانية في ماليزيا كما يؤكد توان عمر، يوجد طبق اللحم المطبوخ بالبهارات المسمى «رندانج»، فيما يحرص مسلمو ماليزيا على تناول نوع من الحلوى يسمونها «آجار آجار»، وتصنع من دقيق الأرز وسكر جوز الهند، وبعد الإفطار يفضل الجميع تناول القهوة الخفيفة أو الشاي.
ويضيف ان غير المسلمين في ماليزيا يراعون مشاعر المسلمين خلال رمضان، فلا يأكلون علناً، بل إنهم يشاركون المسلمين في بعض المهرجانات والاحتفالات الرياضية والترفيهية التي تقام في المدن والأحياء المختلفة ضمن الأمسيات الرمضانية، حيث يعتبرها البعض وسيلة لتعريف هؤلاء بجوهر الاسلام، حيث يعتنق بعضهم الإسلام ويقبلون عليه.
ومن العادات التي يحرص عليها الشعب الماليزي، «المسحراتي»، الذي يتجول في البلاد منبهاً الناس للاستيقاظ لتناول طعام السحور، حيث يحرص الشعب الماليزي على تناول «الكولاك» خلال السحور، الذي يساعدهم على عدم الشعور بالظمأ في نهار رمضان، بالاضافة الى قدرته على توفير الطاقة والقوة.
ويشير توان عمر إلى أنه ومع نهاية الشهر الكريم، يتولى الشباب والفتيات تشكيل لجان في المساجد، لتحصيل الزكاة وتوزيعها على الفقراء، حيث يوزع البعض الملابس وحلويات العيد والأموال على الفقراء والمحتاجين، فيكون الجميع في غاية السعادة والفرح بقدوم العيد كما يظلون على درجة عالية من النقاء الروحي الذي خرجوا به من صيام وقيام رمضان.
وكما يوضح سوشيليل عزام، فإن أبرز ما في الشهر الفضيل من أحداث مهمة، هو قيام الوزير المختص بالشؤون الدينية في ماليزيا باستطلاع الهلال وإعلان بدء رمضان، حيث ينتظر المسلمون بفرح وسرور هذا الإعلان، فيخرجون إلى المساجد في جماعات رجالاً ونساءً وشباباً وأطفالاً وفتيات.. الجميع يصلي التراويح، ثم تنشغل البيوت في إعداد وجبات السحور على الفور.
ويضيف إن الحكومة الماليزية تهتم بهذه المناسبة وتشجع المسلمين على العمل والإنتاج في رمضان، وتخصص لهم الحوافز، حيث يكون دوام رمضان من الثامنة صباحاً وحتى الخامسة مساءً بواقع 9 ساعات عمل، أما العائلات فتبدأ على الفور بتبادل الهدايا والأطعمة والحلويات تدعيماً لأواصر المحبة والوئام بين المسلمين، وتعظيماً لهذا الشهر، في حين تجد في العشر الأواخر من رمضان أعداداً كبيرة من الرجال يعتكفون في المساجد، بينما يقوم الأهالي بتقديم الطعام والمشروبات لهم حرصاً على الأجر.
ويختتم أنه وعند صلاة المغرب يحضر الموسرون معهم بعض الأطعمة والأشربة، وتمد على مفارش طويلة في الأروقة داخل المساجد وبعد الانتهاء من صلاة المغرب يذهب المصلون إلى تناول وجبة الإفطار، وغالباً ما تخرج الأسرة كلها لصلاة المغرب في المسجد.
دبي ـ عنان كتانة

