«صباحك ياوليدي صباحين صباح الكحل في العين ـ صباح ييد لك نخله وم النخله عذيجين».. أغنيات جميلة صادقة أبدعتها قلوب الأمهات في الماضي لتغنيها لفلذات أكبادها فترضعهم المحبة مع الحليب، والأمومة لا تتوقف عند الاحساس الجميل؛ فهي مسؤولية كبيرة تدخل المرأة إلى عالم الإيثار والعطاء الذي لا ينتهي، ولا ينتظر شكرا أو أجرا، لكنها بالتأكيد كانت مسؤولية صعبة في الماضي، حيث لم تكن الخدمات الطبية متوافرة لتساعد المرأة في الحمل والإنجاب، فكيف واجهت أمهات الماضي مسؤولياتهن وكيف تعاملن مع أمور الحمل والولادة وتربية الأطفال؟

أم راشد موزة علي، من امهات الماضي، اللائي انجبن أبناءهن في البيوت، ولم يعرفن المستشفيات في ذلك الزمان، وهي تستعيد أيام الماضي بحب على الرغم من كل صعوباتها فتقول: كانت المرأة أيام زمان تقوم بجميع أعمالها المنزلية، وهي حامل. ولم تكن تركن إلى الراحة، فليس هناك خادمات يساعدنها في أمور بيتها، وحتى قريباتها اللائي يساعدنها يحضرن لساعة أو ساعتين، ثم يذهبن إلى بيوتهن، وفي حملي الأول كنت صغيرة جدا؛ فكانت والدة زوجي تساعدني وتهتم بي، وبعد مرور الوقت صرت اتحمل مسؤولية بيتي وأطفالي؛ فكنت أطبخ وأطحن وأخبز وأجمع الحطب، وكان تسهيل الولادة من رب العالمين، فلم تكن هناك مستشفيات أو أطباء أو علاجات مثل التي نراها اليوم، لكن الداية كانت هي التي تساعد النساء في الولادة، ويستعين الأهل بالدعاء وقراءة القرآن الكريم.

و«الداية» سيدة خبيرة مجربة تساعد النساء في عملية الولادة؛ فهي قابلة يعتمد عليها الناس ويثقون فيها. تذكر أم عبد الله أن أمها كانت داية تساعد النساء في ولادة أطفالهن، تقول: كانت أمي رحمها الله ذات خبرة كبيرة في عملية التوليد وكانت يدها مبروكة؛ فما أن تضع يدها على بطن «الحرمة الي تربي» حتى تسهل الولادة، وقد كانت تقوم بأمور ضرورية لتسهيل عملية الولادة حيث تضع «الرايلة» إلى جانب المرأة في حالة الطلق، وهي خشبة تثبت في الأرض لتمسك بها المرأة عندما تشعر بآلام الوضع، وتقوم بتجهيز الماء الساخن والأقمشة وتمسح بطح المرأة ووجها وتشجعها على دفع الطفل، كما تنبهها إلى ضرورة التنفس السليم، وحين تلد المرأة تأخذ الطفل وتنظفه وتقطع حبله السري، ثم تلفه وتأخذه إلى والده لتحصل على البشارة وليؤذن في أذنه.

وقد خصص عبيد بن صندل فصلا خاصا للحمل والولادة في كتابه «ملامح من تراث الإمارات» حيث يفصل كيفية العناية بالمولود وأمه بعد الولادة فيقول: بعد الولادة تضع الداية على بطن المرأة حجرا دائري الشكل أملس ملفوفاً بقطعة قماش، كما تسقيها الأدوية النباتية والسوائل المغذية وتحاول التخفيف عنها قدر الإمكان، أما الطفل المولود فيتم الاعتناء به وفق العادات والتقاليد فيقطع الحبل السري ويحتفظ به كذكرى. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الناس يدفنون الحبل السري حتى لا يصل إلى أحد، وبعضهم يحفظه في المسجد أو المدرسة عند المطوع، وبعضهم يستخدمه لعلاج العيون، وينقع الطفل في المياه والملح وأنواع أخرى من العطور تسمى بودرة البضاعة، وعنما يمتص جسمه كفايته من المادة يغسل المولود ويكسى ملابسه التي أعدت له سلفا، وهي ملابس ذات ألوان مختلفة تصلح للذكر والأنثى، وتكون عريضة فضفاضة، وليس لها أزرار.

وقد تعارفت النساء في الماضي على لف الطفل بالقماط، وهو عبارة عن قطعة قماش بيضاء تخيط منها أكثر من واحدة للطفل حديث الولادة، ويلف كامل جسم الطفل لكي تمنع حركته، ويحمى وجهه من الخدوش. ويعتقد أن القماط يساعد في شد عضلات الرضيع وتقوية جسمه، ويشير ابن صندل إلى أن الطفل يوضع في المهد الذي يسمى المنز وفيه فراش ومخدة صغيرة مستطيلة توضع تحت رقبته.

ويكون هناك مخدة دائرية مفتوحة في الوسط يوضع فيها رأس المولود حتى يكون دائريا كرويا، ويؤذن في أذنه اليمنى أذان الصلاة، ويسمى بعد يومين أو ثلاثة أيام من ولادته، ويراعى في اسمه ألا يكون مشابها لأحد أفراد أسرته أو أقاربه، ولكنه يتبع سلالة الأسماء المعروفة في العائلة، وتذبح للمولود الذكر ذبيحتين وللأنثى ذبيحة واحدة تسمى العقيقة، ويحلق شعره بعد أربعين يوماً، ويزن شعر رأسه بالنقود التي تنشر على جسمه، ويأخذها الأطفال الصغار، كما ينحل المولود بعد الأربعين يوما، والنحل هو الهبة التي قد تكون ذهبا أو خيلا أو إبلا أو سلاحا أو سفينة صغيرة.

وتهتم الأم بطفلها فترعاه وترضعه حولين كاملين، وتغني له في المهد، حيث تشير أم راشد إلى أن هدهدة الطفل تسمى «المهاواة»، تقول (هوا هوا يالهادي ـ محمد ساكن الوادي ـ هوا هوا ياسنادي ـ لاماي ولازادي)، كما تقول: (هو يا وليدي هوا ـ نم لا ياكلك العوا)، وأغان أخرى تعودت الأم أن تقولها لطفلها وتكون قد حفظتها من أمها أو جدتها، وأحيانا ترتجل بعض الأمهات أهازيج خاصة بطفلها.

وتتعدد الأهازيج الخاصة بالأطفال فمنها (هوه هوه هوه هوه ـ امي امي فلبستاني ـ تقطع خوخ ورماني ـ امي امي ف الطوياني ـ تمزر كل الوعياني) أو ( هوا هوا هوا هوا ـ هاويت عليك ياوليدي مدام ف البيت يزله ـ ومن فرغت اليزله فرغ الهوا من قليبي ـ هوا هوا هوا هوا ـ هاويت عليك ياوليدي مدام البيت شخاله ـ ومن فرغت الشخاله ـ فرغ البيت دخاله).

وهناك أغنيات وأهازيج ترددها الأمهات حين يبدأ الطفل بخطواته الأولى في المشي فتقول ( يا أرض لا ترتاعين ـ يمشي عليك كراعين) وهكذا تكون الأهازيج جزءا مهما من تشجيع الطفل وتربيته وتعويده على الانسجام مع صوت أمه، حيث تهتم بصحته وبتعليمه الكلام والتعرف إلى الأشياء المحيطة به، ثم يتم تخصيص أسلوب التربية لكل من الولد أو البنت ما أن يبدأ باستيعاب الأشياء من حوله، فترافق الفتاة أمها وتقلدها في أعمالها وتتعلم منها الحرف اليدوية بينما يرافق الصبي والده ليتعلم منه محاسن السلوك وطريقة السلام والتعرف على الواجبات التي ينبغي عليه القيام بها...

دبي- دلال جويد