إذا كانت أغلب مقاهي القاهرة المعروفة كانت ولا تزال منارات ثقافية شكلت قدرًا كبيرًا من الحراك الثقافي التي تشهده مصر منذ سنين طويلة فإن «أتيليه القاهرة» يعد مركزًا راسخًا لحركة ثقافية أكثر قوة وفعالية.
هذا الأتيليه الذي أسسه الفنان محمد ناجي العام 1953 ليكون منارة ثقافية شكلت إضافة حقيقية لمراكز الإبداع والإشعاع الثقافي في مصر، باحتضانه كبار الأدباء والمثقفين المصريين والعرب، شهدت مراحل تطوره خاصة في مرحلة الستينات تحولاً مهمًا بعد أن تفاعلت بداخله كل مجالات الفنون والإبداع، وإن كان اسمه ارتبط في بداياته بالفنون التشكيلية.ومن خلال مسيرته وتكالب الآلاف من المثقفين والمبدعين في شتى المجالات عليه تطورت آلياته، وقام بدور تنويري كبير انطلاقًا من الحراك الثقافي والسياسي الذي شهده «الأتيليه» منذ سنواته الأولى، والذي أفرز تيارات مختلفة ومتعارضة أهمها الحركات الثقافية المعارضة التي أدت دورًا مهمًا في الدفاع عن حقوق الإبداع، خاصة أن الأتيليه يعتبر جمعية أهلية غير خاضعة للمؤسسة الثقافية الرسمية في مصر. وداخل هذا الأتيليه يوجد أكبر مقهى ثقافي في مصر.
وما يميزه عن المقاهي الثقافية الأخرى أن المقهى داخل الأتيليه يجمع المثقفين دون غيرهم، بينما كل مقاهي المثقفين المصرية المعروفة في القاهرة متاحة أمام الجميع، وهذا ساعد في أن تكون حركة المقهى - المرتبط بأهم كيان ثقافي - تسير في اتجاه واحد وهو الخط الثقافي والذي يرتبط في أحيان كثيرة بخطوط سياسية جادة.
موقع جغرافي
داخل مقهى «أتيليه القاهرة» يتوفر كل ما هو موجود في المقاهي الأخرى المعروفة من مشروبات ساخنة وباردة، وهذا الواقع الجغرافي للأتيليه الذي يقع قريبًا من ميدان طلعت حرب بوسط القاهرة، وتجاوره مقرات حزبية معارضة مثل حزب «التجمع» وحزب «الغد»، بالإضافة إلى المراكز الثقافية المتعددة في هذا الميدان العريق من دور نشر ومقاهٍ ثقافية «زهرة البستان»، «ريش»، «الجريون»، «النادي اليوناني»، «مدبولي»، «دار الشروق» وغيرها، أتاح الفرصة لأتيليه القاهرة بأن يكون أكثر حراكًا بحكم الحركة المتبادلة بين المثقفين في هذه المراكز والأتيليه.
وظل «أتيليه القاهرة» يشهد ندوات أسبوعية ثقافية تتناول كل القضايا الثقافية، والتي دائمًا ما يشهدها المئات من المثقفين، فضلاً عن العامة الذين يحرصون على الحضور، خاصة أن هذه الندوات لم تخل من «المناقشات» السياسية التي انعكست بشكل مباشر على الشارع المصري عامة، وقطاعات عريضة من أصحاب الرأي من مفكرين وإعلاميين وسياسيين ورجال مال واقتصاد بجانب المثقفين المصريين والعرب.
أسماء ثقافية بارزة
ومن أهم الأسماء التي اعتادت المشاركة في نشاطات «الأتيليه» لويس عوض ويوسف إدريس وطه حسين ومحمود أمين العالم وعز الدين النجيب وجاذبية سري وهبة عنايت وأنجي أفلاطون، والآن يواصل مثقفو الجيل الحالي نفس المسيرة كامتداد لعظماء الإبداع المصري والعربي رغم أن «الأتيليه» منذ منتصف التسعينيات يشهد تحولاً تدريجيًا أصبح يهدده بالتشتت بسبب الخلافات بين أعضاء مجلس إدارته.
وإن كانت الجهات الرسمية ممثلة في وزارة التضامن الاجتماعي أصدرت قرارًا يعزل مجلس الإدارة مؤخرًا لتجاوز أزمة الأتيليه، وتكليف الروائية سلوى بكر كقائمة بأعماله؛ إلا أن المثقفين المصريين عملوا على تثبيت الوضع مهما كانت خلافاتهم، خاصة في ظل الصراع بين إدارة الأتيليه وورثة المبنى الذي تمتلكه عائلة يهودية بسبب تأخر دفع الإيجار لشهور طويلة.
ومؤخرًا أصبح المقهى الملحق بالأتيليه هو الجانب الأكبر للمثقفين المصريين الذين ظلوا يتواجدون داخل المبنى لتناول الشاي والقهوة، مما دعا العديد من الأعضاء المؤسسين إلى توجيه انتقادات شديدة لهذا الوضع الذي وصفوه بأنه أصبح أقرب إلى المقهى أو النادي، وأكدوا ضرورة إعادة الأتيليه لدوره الأساسي والتعريفي والنهوض به ليؤدي رسالته التي أنشئ من أجلها، وأشاروا إلى أن وجود الأعضاء في المقهى أمر جيد، ولكن لا يجب أن يقتصر وجودهم على تناول المشروبات والتسلية فقط.
القاهرة - دار الإعلام العربية

