يشكل مسلسل (دروب المطايا)، الذي تعرضه قناة أبوظبي حالة توثيقية لجهة المادة الدرامية التي خاضها العمل مقدما كل يوم ومن خلال نصف ساعة موضوعاً يعيد للأذهان، وتحديدا الجيل الجديد، العلاقة مع التراث، ومع مجمل تفاصيل الحياة والمعيشة اليومية للمواطن الإماراتي في منطقة العين وأبوظبي، وبالتالي صار العمل محط أنظار فئة من سكان الإمارات والخليج الذين يجدون في تلك المرحلة بداية القرن العشرين، وحتى ثلاثينات القرن الماضي متنفسا، وحالة فيها حميمية شديدة.
(دروب المطايا) هوعنوان الرحلة الدرامية الجديدة التي خاضها الفنان سلطان النيادي في صيغة العمل البدوي ليعود إلى أيام كانت فيها الجمال تسير برحلات شتوية وصيفية كي تحمل الزاد والمؤونة إلى أهالي العين في قصة مثيرة تقدم الآلية التي كان يتواصل بها أهل العين مع أبوظبي؛ المدينة الساحلية العتيقة، وهي تدعم العين بأفضل البضائع والأطعمة وأجودها، ونجح العمل في إثارة حالة الحنين تلك وتحقيق رؤيا فنية تراثية بالدرجة الأولى. وأحسب أن العمل يميل باتجاه التوثيق لحالة حياتية أكثر مما نستطيع ان نقول عنه انه حالة درامية مئة في المئة، لان في توصيفه مسلسلا دراميا بحبكة وحكاية وأحداث وشخصيات يظلم المادة التي تتبعها النص، واجتهد عليها المخرج بقصد إظهار تاريخ او تراث الإمارات، وربما كان النص في حاجة إلى شكل إخراجي يدعم وجهة نظر الكاتب والفنان سلطان النيادي، الذي يعتبر (عراب) هذه التجربة قولا وفعلا.
ولم يسبق ان تطرقت الدراما الإماراتية أو الخليجية لمثل هذا النوع من الأعمال التي تحكي عن علاقة المدن الإماراتية ببعضها البعض، وعن التواصل الاجتماعي بين العين وأبوظبي مثلا واللتين عاشتا كتوأمين جمعتهما العائلات والقبائل وأبعدتهما الجغرافيا نسبيا عن بعضهما البعض، كي تزيد من حميمية تلك الأيام، ومن التمازج بين كلتا المنطقتين. وحرص الكاتب سلطان النيادي في تجربته الكتابية الثانية التي يقدمها عبر بوابة تلفزيون أبوظبي على ان تكون مادته التاريخية مبنية على وثيقة تاريخية من خلال القراءات التي حققها والسيرة الشفاهية التي استخلصها من خلال كبار السن من المواطنين الإماراتيين.
ومن المثير في هذه التجربة، حسب استطلاعات آراء المواطنين أن العمل يقدم بلهجة أصيلة للمرحلة التي يعالجها العمل مما يجعل في النص مزية الحفاظ على الجو العام للعمل، ولعل اللافت في تجربة (دروب المطايا) هو العودة الى التاريخ واستخلاص بعض التفاصيل من سيرة حياة مبارك بن لندن، المستشرق الانجليزي الذي عاش فترة طويلة في الإمارات مدونا الكثير من تفاصيل الحياة البدوية والبرية في الإمارات، وشكلت تلك المادة التي كتبها وجمعها في كتاب الرمال العربية، وسبق ان قدمت سيرة حياة مبارك بن لندن في فيلم سينمائي حققه مجيد عبد الرزاق ولم يلق الرواج المطلوب العام الماضي.
في (دروب المطايا) توليفة حكائية تقارب القصة في الحديث عن العلاقة مع الصحراء، وعن الكثير من التفاصيل التي أفضت إلى تعايش بين سكان تلك المنطقة أيام زمان مع البيئة القاسية التي طبعت طابع السكان ونمط حياتهم وسلوكهم الاجتماعي بها، لذا كانت الصحراء تنتج رجالا قساة يواجهون الحياة بمنطق الصحراء ويقفون ضد أهوال الحياة ومتاعبها دون ان يثنيهم هذا عن مضيهم في تحقيقهم آمالهم ومشاريعهم التي عقدوا العزم عليها.
وهنا نشيد بالعمل في إفصاحه صور متتالية عن كل ما ذكرنها، بل العمل حقق رصدا مصورا لأخلاق البدوي وحرصه على ان تكون الفضيلة والأخلاق مرافقة لكل ظرف يتعرض له أو لموقف يعيشه، هذه الأخلاق التي كانت تقودهم باتجاه تعميق حياة البدو في الصحراء والمضي لعقد صفقة مع الحياة، كان سكان الصحراء يعقدون صفقة مع الرمال تجيز لهم مجاورتها والاستفادة منها وضمان شرها وأهوالها. صفقة لم تلتزم الصحراء بها كثيرا، ولكن لطالما بددت الأشعار التي كانت تنظم والاحتفاليات التي تشاد هنا وهناك.
ومن خلال رائحة الجمر والقهوة المرة التي يجيد استخدامها سكان بيوت الشعر كانت تلك لحظة استراحة نادرة من القيظ والغربة التي كانت تفرضها الصحراء على الساكنين فيها، ولا شك ان البدو في غنائهم وأشعارهم التي كانوا ينسجونها كانت الرمال والمها والعقرب والأفعى والحب النبيل والجمال الصارخ ومفردات الغزل واحدة مما تتضمنه الأشعار والشيلات.
والعمل هنا لم يغادر هذا الجو والتفصيلات التي ذكرناها قبل قليل، ولكن يؤخذ عليه أن توثيقه الملابس والإكسسوارات يكاد يكون عصريا أكثر من انتمائه لمرحلة تاريخية قديمة أو قريبة من المرحلة التي جرت فيها الأحداث، وربما نظرة ومقاربة دقيقة للشكل الخارجي للفنانين والفنانات يظهر ان التغريب الموجود في الملابس قد حيد العمل عن الجانب التوثيقي الذي نجح بفرضه على فضاء العمل.
اشتكى العمل في البداية من ترهل إيقاعه وضعفه حتى تبين شكله وأسلوب تناوله والتعاطي معه وفي كل الأحوال تدارك عارف الطويل هذا الأمر واعتمد على السرعة في انجاز المشاهد وتقديمها، ويحسب له تقديم صورة سينمائية مستفيدا من جماليات الصحراء في المساحة الفنية التي اعتمدها، وربما شكل من أشكال التوثيق المعتمد في العمل هو تقديم صورة مرافقة لحركة الزمان والمكان ورصد التفاصيل فيه، وتجدر الإشارة إلى ان العمل تم تصويره في أماكن متفرقة في إمارة أبوظبي وأهمها القطارة ورأس غراب.
توثيق
الرمال العربية وثيقة تاريخية واجتماعية
(الرمال العربية) هو عنوان كتاب السيرة الذاتية لمبارك بن لندن وعلاقته مع الصحراء العربية، والتي كتبها بن لندن متنقلا بين الدانمارك وايرلندا بين عامي 1957 و1958 حيث قال بعد أن أنهى كتابتها: لقد دونت كل ما لدي بحق الأرض، وما فيها في كتابي الأول الرمال العربية.
ولا تبدو الأسباب معروفة التي قادت بن لندن إلى هذه المنطقة ومحاولته كشف كل الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية والسياحية لمدة خمس سنوات والبعض يقول إنها سبع! على كل الأحوال اعتاد بن لندن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية على زيارة المنطقة كل شتاء ومحاولة سبر أغوارها والتنقل بين وديانها وصحاريها محاولا معرفة كل ما يدور فيها وتوثيقه بالصورة والكلمة، وكانت آخر هذه الرحلات كما يقال نهاية العام 1950.
ويعتبر بن لندن أول من قطع صحراء الربع الخالي وكان عندما ينتهي فصل الشتاء يغادر المنطقة إلى بلاده ثم يعود في الشتاء اللاحق وتبدو قصة أسفاره في المنطقة مثيرة لجهة محاولات تعرضه للمنع والقتل والطرد مرات كثيرة، ولكنه لم يأل جهدا من أجل تحقيق رصد شامل وكامل عن المنطقة.
دروب الشعراء
حضرت أشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي في دروب المطايا، وتضمن العمل تقديم الأشعار القديمة التي تنتمي إلى تلك المرحلة مثل أشعار الماجدي بن ظاهر والشاعر الراحل أحمد الكندي والشاعر القطري محمد بن عبد الرحمن، إضافة إلى قصائد من تأليف سلطان النيادي مؤلف العمل.
دبي - جمال آدم



