يبقى رمضان شهراً للرحمة والغفران، في نهاره صبرٌ وأجرٌ عظيم، وفي ليله متعة روحية ودينية لا تغادر مكاناً، وفي كلتا الحالتين الصائم هو الرابح الأكبر، فعلى الرغم مما يواجهه الصائمون من مشقات، إلا أن متعة الشهر الفضيل تظل الشاهد الأقوى على عظمة رمضان في مختلف الظروف والأوقات، كيف لا وهو شهر الخيرات والبركات.
«عادات» تجوب العالمين العربي والإسلامي مستطلعة الحالة الرمضانية المعاشة في مختلف الأقطار التي يزورها الشهر الكريم، راسمة لوحة واقعية عن أسلوب حياة شعب في مناسبة دينية يحجم شهر رمضان المبارك. هذه المرة نتوقف في بلد عربي يزهو برمضان، مثلما يزدان الشهر الفضيل بكثير من ملامح الجمال على أرضه.. ففي لبنان تتعدد الملامح الرمضانية المعاشة في قالب من الروتين اليومي الذي لا ينثر سوى المتعة والبهجة في الليل كما النهار، أجواء مثيرة وجميلة كثيرة يرويها لنا اللبناني خالد مجذوب الذي يعمل في مجال «البروموشن» بقناة الـ «أم بي سي».
يقول خالد إنه وبمجرد حلول الشهر الفضيل في لبنان، تطلق المدافع ثلاث طلقات، حينها يدرك المواطنون أن شهراً من نوع آخر قد أطل، وتلك عادة قديمة لا تزال تصر على الوقوف في وجهة الحداثة انتصاراً لرمضان، تماماً كما هو حال المسحراتي صاحب المطرق الخيزراني، الذي يبدد سكون الليل بطبلته لإيقاظ الناس وقت السحور. ويضيف أن العائلة اللبنانية تكون خلال الشهر الفضيل على غير عادتها، إذ إن الأسرة بكافة أفرادها تجتمع على مائدتي الإفطار والسحور، وذلك على الرغم من أنها قلما تلتقي في شهور السنة الأخرى على هذه الهيئة المفعمة بالحب والمشاعر الصادقة، نظراً لتضارب مواعيد أفراد العائلة ومزاجهم، وأوقات تناول طعامهم بسبب ظروف أعمالهم وانشغالاتهم اليومية.
وحول مائدة رمضان في لبنان، يؤكد خالد أنها تضم أصنافاً مميزة تحمل النكهة اللبنانية الخالصة، ولابد أن تظل حاضرة كلها أو بعضها، على مائدتي الإفطار أو السحور. أول هذه الأنواع التمر الذي يظل سيد المائدة، ويتناوله الصائم عقب انطلاق مدفع الإفطار اقتداءً بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، أما الشوربة فلها الحظ الأوفر في الموائد الرمضانية، كونها ترطب الحلق قبل الوجبة الدسمة، وهي تأتي في أصناف عدة، أفضلها ما كان بالعدس المجروش والخضار.
وهناك الطبق المميز في لبنان وهو فيلاالفتوشلالا الذي يدخل في إعداده جميع أنواع الخضار، ويؤكل قبل بداية الوجبة الأساسية على الإفطار. ويوضح خالد أن ربة المنزل وبمشاركتها معظم أفراد العائلة، تتفنن في صنع «الفتوش»، حيث إن عملية تحضيره تحتاج إلى ثلاث أو أربع ساعات أحياناً للحصول على وجبة مغذية وضرورية، حرصاً على اشتمالها على مختلف أنواع الفيتامينات، لافتاً في الوقت نفسه إلى وجود الفتة والحمص بالطحينة.
وهما صنفان يحرص الصائم على وجودهما على المائدة الرمضانية اللبنانية، إضافة إلى العديد من المأكولات التي لا ينفصل وجودها عن رمضان منها «الكبة النية» والباذنجان بالطحينة وغيرها، وهناك صنف آخر وهو «المغربية»، وتصنع من السميد الذي يفرك باليد ويتم «تهبيله» على البخار، ويضاف إليها الحمص والبصل المسلوق وهي تشكيلة ضرورية مع المخلل.
وتفصيلاً تزهو مائدة رمضان في لبنان بأطباق خاصة جداً، تبدأ بالتمر وشراب قمر الدين أو الجلاب والسوس، ثم الشوربات تليها المقبلات وخاصة الفتوش، ثم الوجبة الرئيسية، ومنها: الكبة والدجاج والمحشي، والفطائر المختلفة، وما تيسر من الأطباق اللبنانية الأخرى الشهية، وتختتم المائدة الرمضانية اللبنانية بالحلويات منها: الكلاج والحدف وزنود الست والقطايف والمفروكة.
ويأتي فنجان القهوة أو الشاي بعد صلاتي العشاء والتراويح، وهو ضروري للصائم، مع تقديم الفواكه على أنواعها طوال السهرة الرمضانية حتى السحور، فيما يحرص اللبنانيون على التزاور خلال السهرة، وصلة الأرحام، وتبادل التهاني بالشهر الفضيل، وذلك عملاً بالشريعة الإسلامية، ناهيك عن وجود العزائم بين العائلات الأقارب والأصدقاء، وهو تقليد لبناني متوارث، وفي ذلك الواقع تجد الموائد الرمضانية مكتظة بكافة الأصناف من المأكولات والمشروبات، لا سيما وأنها تظل الأغنى في قائمة الطعام الشهي، كما يوضح مجذوب.
وفي السحور تلتف العائلة اللبنانية حول مائدة أخرى، تضم أطباقاً خفيفة، مكونة عادة الألبان والأجبان والحليب المطبوخ والبيض والمناقيش والفول والحمص، إضافة إلى الزبيب والفواكه والحلويات، ومن أبرز أكلات السحور التقليدية النقوع وهو المشمش المجفف المطبوخ، في حين أن الأجواء الليلية الصباحية، تختتم بشربة ماء قبيل إعلان المساجد والإذاعات عن الإمساك، فيما ينتهز الطلبة فترة السحور لمراجعة دروسهم وفروضهم الدينية.
ويؤكد خالد مجذوب أن مكانة شهر رمضان تتأتى من كونه شهراً فيه ليلة القدر، وفيه نزل القرآن الكريم، لذلك فإن المسلمين بمشارق الأرض ومغاربها يتسابقون في التحضير والاستعداد لاستقبال خير الشهور، سواء في العبادة أو في المأكل والمشرب وفي الصدقات وحتى في الزينة والملبس، وفي ذلك فإن لكل بلد طريقته وعاداته وتقاليده الموروثة الممزوجة بالفرحة والاستبشار والسرور.
ويشير خالد إلى أنه وفي كافة المناطق اللبنانية، تقام المآدب الرمضانية التي تتولى أمرها المؤسسات الخيرية الإسلامية، وبعض الشخصيات البارزة، التي يكون فيها متسع لتقديم محاضرات دينية، علاوة على مناقشة التطورات السياسية التي تكون غالباً حديث الساعة في لبنان.
وبإلقاء نظرة عامة على الأجواء المعاشة في فضاء لبنان الرمضاني، يشهد الجميع ازدياداً ملحوظاً في زحمة السير عند فترة الغروب.. ازدحاماً في السيارات وفي روائح الطعام، وفي محال بيع حلويات وكلاج رمضان كذلك، وبعيد الإفطار تشهد الشوارع استراحة موقوتة، عادة ما تكون مع التلفاز والمسلسلات والبرامج الرمضانية المسلية، أو نشرة الأخبار، ثم يحين وقت صلاة التراويح، التي تشهد إقبالاً من الرجال والنساء، وتجمع الأصدقاء، وكذلك الأمر يكون في إحياء ليلة القدر والعشر الأواخر.
نشاط
يشهد لبنان في كل رمضان، ملامح إيجابية كثيرة، منها النشاط الملحوظ للمؤسسات والجمعيات الخيرية، التي توفر إفطارات جماعية إما في المساجد أو في الحدائق العامة، حيث تقدم وجبات غذائية متنوعة لجمهور الصائمين من الفقراء والمحتاجين أو المنقطعين عن عائلاتهم لظرف طارئ.. ومن داخل البيوت اللبنانية تفوح أجواء أخرى من الدفء والحركة والبهجة والإيمانيات، والزيارات، والعزائم والولائم، التي تجمع الأهل والأصدقاء بعيداً عن عصر السرعة والمشاغل.
اختلاف
رمضان في لبنان يختلف عنه في كثير من الدول العربية والإسلامية، نظراً لتركيبته السكانية المختلفة، ففي ذلك البلد تفتتح المحلات والأسواق والمقاهي أبوابها ليلاً ونهاراً، وفي ساعات المساء تنشط الحركة أضعافاً مع وجود الخيم الرمضانية، حيث السهرات والأمسيات التي تجمع الكثيرين.
وقبل ثلاثة أيام من انتهاء الشهر المبارك تبدأ العائلات بتحضير حلويات العيد، ثم سرعان ما تعم البهجة وتطلق الألعاب النارية والمفرقعات، ويبدأ الجميع بتهنئة الآخرين، ففي اليوم الأول، تكون صلاة العيد للجميع، ثم يأخذ الصغار نصيبهم الأكبر من الفرح والسرور، وبعدها تجتمع العائلة في بيت الأب الأكبر، ويبدأ الصغار بجمع العيدية من الأقارب.
الحالة: نشاط في السوق
الأجواء: سهرات وتجمعات
العيد: فرحة واستعداد
لبنان
هي إحدى الدول الواقعة في الشرق الأوسط، جنوب غرب القارة الآسيوية، تحدها سوريا من الشمال والشرق وفلسطين من الجنوبوتطل من جهة الغرب على البحر الأبيض المتوسط، وهي بلد ديمقراطي جمهوري طوائفي، غني بتعدد ثقافاته وتنوع حضاراته وتاريخه العريق منذ 7 آلاف سنة ومعظم سكانه من العرب مسلمين ومسيحيين.
حالياً يقدر عدد اللبنانيين المهاجرين ضعف عدد المقيمين في البلد، وقد انتشروا حول العالم منذ أيام الفنيقيين، وفي لبنان وجود فاعل للمسيحيين في الحياة العامة والسياسية، في حين أن طبيعة أرضه الجبلية تعد من السمات المميزة التي كانت السبب في إنعاش اقتصاده حتى في أحلك الأزمات.
الدولة: لبنان
العاصمة: بيروت
السكان: 4 مليون نسمة
دبي ـ عنان كتانة



