للمدينة القديمة ذائقة مختلفة يحسُّ بها من يقترب من جدران بيوتها؛ فيشعر برائحة الزمن المعتقة فيها، ومن يتأمل الأبنية القديمة مساجد كانت أو بيوتا أو حتى قلاع وحصون مرت عليها يد الزمن يجد فيها تلك القوة التي تشهد لبناتها عزيمتهم القومية، وقدرتهم على تقديم القوة بأبسط المعطيات، فالجدار الذي يقوم عليه بيت في دبي القديمة يأخذ قوته من المواد التي اختيرت لبنائه فنجد عند الاساسات أحجاراً صدفية، وأخرى مرجانية، وثالثة من الصاروج، وكل منها له استخدام ومكان خاص يعرفه أصحاب المهنة والمعاملون بها.

والعمارة التراثية في الدولة متنوعة وثرية تختلف باختلاف استخداماتها وتنوع المنطقة الجغرافي، وقد تحدث عنها المهندس رشاد بوخش، مدير إدارة التراث العمراني، ورئيس مجلس إدارة جمعية التراث العمراني قائلا: تقسم العمارة القديمة إلى ثلاثة أقسام عمارة المدن الساحلية الكبيرة، وعمارة القرى الداخلية الصحراوية، وعمارة المناطق الجبلية، مشيراً إلى أن استيطان السكان كان مرتبطا بالمياه العذبة، لذا نجد التجمعات السكنية قرب منابع المياه أو الآبار أو الأفلاج. ففي المناطق الصحراوية كان الناس مرتحلين، لكنهم يستقرون إذا ما وجدوا مصدرا للماء فيبنون بيوتهم من خيام الشعر التي تصنع من شعر الإبل، أو من عرشان السعف إذا ما توافرت أشجار النخيل قربهم، أما في الواحات أو المناطق الجبلية القريبة منها فتبنى البيوت من الطين والحجارة.

إضافة إلى العرشان التي نجدها موجودة في مختلف المناطق، بينما نجد عمارة مختلفة في مناطق رؤوس الجبال، حيث تبنى البيوت بالكامل من الحجر، وتسمى بيت القفل، وكل منطقة من المناطق لها تصاميم بيوت وتخطيطات للمدن تختلف عن الأخرى. أما المدن الساحلية فلها عمارة خاصة، يتحدث عنها بوخش قائلاً: المدن الساحلية تتأسس على الخيران أو الأخوار وأقدم هذه المدن هي (جلفار) رأس الخيمة ومثلها المدن الساحلية الأخرى في أبوظبي ودبي وعجمان والشارقة وأم القيوين، وهذه المدن تأسست لتكون موانئ بحرية ترسو عندها السفن التجارية، وتخطيط المدينة يعتمد على ارتباطها بالخور.

وعادة تكون البيوت التي تطل على الخور هي بيوت الشيوخ والتجار والأثرياء، وقد صممت البيوت لتستقبل الهواء من أربع جهات، فعلى الرغم من أن الرياح المعروفة هي الرياح الشمالية الغربية، لكن البراجيل صممت لتكون مفتوحة من كل الجهات للتخفيف من حدة الحر، وتكون تلك البيوت كبيرة تضم العائلات الممتدة. وتكون مبنية من طابق واحد أو طابقين من الحجر المرجاني الذي يؤتى بها من البحر والحجر الصدفي الذي يستخرج من الخور، ويكون أقوى ويمنع تسريب المياه والرطوبة، ويستخدم في أساسات البيوت وفي بناء القلاع، كما تستخدم مادة الجص في البناء، وهي تستخرج من الأحجار الجصية الي تكون عبارة عن كبريتات الكالسيوم المائية.

حيث تحرق وتفتت وتستخدم في البناء، أما السقوف فكانت تبنى من جذوع النخيل ثم دخل خشب الكندل الذي يستورد من الهند ولا يتجاوز طوله أربع أمتار، لذا نجد مساحات الغرف عندنا لا تتجاز الأربعة أمتار طولا وعرضا، وبعد البيوت المواجهة للخور تأتي البيوت الطينية الصغيرة أو العرشان التي استخدمت فيها براجيل من سعف النخيل يكون الهيكل من الكندل والقواعد من الخيش، وهي تركب في فصل الصيف وترفع في الشتاء لعدم وجود الحاجة إليها.

وفي كل مدينة من مدن الامارات ملامح اسلامية معروفة تظهر ملامحها في بساطة تصاميم العمارة، وفي المساجد التي يشير إليها بو خش قائلاً: هناك عمارة دينية موجودة في المدن هي عمارة المساجد التي تكون في الغالب مكونة من مسجد جامع كبير يجتمع فيها أبناء المدينة إضافة إلى المساجد الصغيرة التي تنتشر بين كل مجموعة بيوت، وتقام فيها الصلوات اليومية، وتكون لها نوافذ من جميع الاتجاهات.

ونادرا ما يكون لها مئذنة، كما تبنى سطوح للمساجد تقام عليها صلاة المغرب والعشاء في الصيف، وتوفر لها مياه الوضوء من بئر تؤخذ منها المياه إلى حوض مخصص للمسجد، ويملأ الحوض كلما قل ماؤه، وجميع المساجد الكبيرة والصغيرة تحتوي على نوافذ للتهوية، وتكون المئذنة علامة دالة على المسجد الجامع الذي تقام فيه الصلوات في الأعياد والمناسبات الدينية وصلاة الجمعة.

ولكل مدينة كذلك عمارة دفاعية تمثل قوة المدينة، وهي تشمل أنواعاً عدة من المباني تبدأ بأسوار المدينة التي تحيط بها؛ فدبي القديمة كانت محاطة بسور بارتفاع مترين ونصف المتر، وسماكة نصف متر، وقد وضعت على الأسوار أبراج للمراقبة تمثل جزءاً من التحصين للمدينة، والأبراج الدفاعية تكون في الغالب دائرية تسمى (بري)، أو مستطيلة تسمى (مربعة)، والبري أقدم من المربعة، ومواضع تلك الابراج تكون مختلفة؛ منها ما يوضع على الأسوار، ومنها ما يوضع على القلاع والحصون وخارج المدينة. وفي ديرة كان الخط الأول من الأبراج صف بين كل منها 500 متر، ومع توسع المدينة أصبحت ثلاثة خطوط بينها مسافات متساوية تسهل توصيل المعلومات أو إشارات التحذير.

إضافة إلى الشكل الثالث من العمارة الدفاعية التي تشمل القلاع والحصون، حيث تختلف الحصون عن القلعة في أن الحصن يحتوي على قلعة، إضافة إلى سكن للحاكم، أما القلعة فهي دفاعية فقط وليس فيها سكن، بينما توجد مخازن في الحصن وبئر وبرزة ومدبسة وأماكن مناسبة للسكن ولإدارة شؤون الحكم.

ويقول بو خش إن أنواع المواد المستخدمة في البناء يمكن أن تحدد عمر المبنى حيث تتغير العمارة التراثية بتغير الزمن فبعد أن كانت الأبنية من الحجارة والجص استبدلت في الستينيات بالاسمنت والطابوق، وفي العام 1971 ظهر أول قانون لتنظيم البناء، والعمارة القديمة لها حسناتها كونها كانت ملائمة للبيئة وتوفر التهوية والتبريد قبل وجود الكهرباء، لكن العمارة .

فيما بعد اتجهت نحو العشوائية واستيراد التصاميم الجاهزة، ثم بدأ مرة أخرى التفكير بعمارة تستلهم مفرداتها من التراث فنجد نماذج ناجحة مزجت بين جماليات العمارة القديمة، وما تقدمه العمارة الحديثة من مزايا مثل سوق مدينة الجميرة، لأني أعتقد أن العمارة يجب أن يكون لها انتماء وهوية فلا تكون منفصلة عن ماضيها وبيئتها الطبيعية وثقافة أهلها وخصوصية تراثهم، لذا علينا العودة بقوة إلى تراثنا العمراني الجميل.

مبان تتنفس بوجود الناس

أعادت إدارة التراث العمراني في دبي ترميم الأبنية التراثية في المدينة بشكل دقيق حافظ على اسلوب البناء نفسه؛ فنجد نماذج مميزة لهذه الجهود منها الشندغة والبستكية، وما جعل تلك التجربة ناجحة أن تلك المباني التراثية لم ترمم وتغلق، وإنما تم أحياؤها باشغالها وتحويلها إلى جمعيات ومطاعم وفنادق ومكاتب ومعارض فنية يؤمها الناس في الأيام العادية وفي المهرجانات، فتستقبل الشندغة فعاليات تراثية مختلفة على مدار العام، إضافة إلى فعالياتها التراثية في مهرجان دبي للتسوق، ما يمثل فرصة لإطلاع السياح على معالم المدينة القديمة وهي تنبض بالحياة.

دبي- دلال جويد