ربما تكون بعض مقاهي الحسين قد نالت شهرة إعلامية كبيرة، وبدأ الكثيرون عندما يدخلون المنطقة يسألون عن مقاهٍ بعينها، ولكن في حقيقة الأمر أن أغلب مقاهي الحسين تتمتع بقدر كبير من الاهتمام ولها زبائنها الملتزمين.

من بين هذه المقاهي مقهى «الدراويش»، والذي كان يطلق عليه عند إنشائه مقهى «المجاذيب» فأهم مميزات هذا المقهى أنه الأكثر قدرة على ربط الماضي بالحاضر لاحتفاظه بأصالته رغم التجديدات التي أدخلت عليه مؤخرا، خاصة فيما يتعلق بطقوس شهر رمضان. مقهى «الدراويش» أنشئ منذ مائة سنة ومؤسسه هو الشيخ محمد يوسف، وتوارث المقهى بعد رحيله أبناؤه وأحفاده الذين يديرونه حتى الآن، وعندما قام الشيخ محمد يوسف بتأسيس المقهى كان حريصا على أن يكون مكانا لإحياء الليالي الرمضانية، واستقطب حينذاك كبار المنشدين في مصر الذين كانوا يبدأون الإنشاد من بعد صلاة التراويح وحتى منتصف الليل منهم ياسين التهامي والمنشد محمد طه ومحمد خضر وعبد العزيز محمود والشيخ يوسف شتى والشيخ رمضان عويس والحاجة فايقة نور.

عشاق الإنشاد الديني... استمر حرص صاحب المقهى الذي تتوفر فيه كل احتياجات رواده من مشروبات الشاي والقهوة أن يكون زبائنه من عشاق الإنشاد الديني، وبعد أن ازدادت أعداد الزبائن قام أصحاب المقهى بنصب خيمة كبيرة على شكل سرادق لاستيعاب الأعداد الكبيرة التي تحضر للاستماع للإنشاد الديني والجلوس في هذا المقهى العريق، بل إن أغلب المسؤولين في المحافظات المصرية كانوا يحضرون هذه الليالي الرمضانية الشهيرة إلى أن قامت الحكومة بمنع إقامة السرادق بحجة أنه يعيق الحركة في الطريق العام. يقول صاحب المقهى الحالي الحاج سعيد إنهم حتى الآن مازالوا متمسكين بإحياء هذه الليالي، وعاهد نفسه أن يستمر في خط والده الذي كان يأتي بالفرق الموسيقية بصحبة جمال المحمدي وسيد إمام لتقديم الأغاني الشعبية والتراثية.

نوعية مختلفة من الزبائن

ويختلف هذا المقهى في نوعية الزبائن عن زبائن المقاهي الأخرى في الحسين التي يقدم إليها زبائنها من أماكن مختلفة داخل وخارج مصر فهذا المقهى أغلب زبائنه من حي الحسين والجمالية والسيدة زينب والمناطق الملاصقة لهذه الأحياء، حيث اعتاد الناس بعد صلاة التراويح في مسجد الحسين والمساجد الموجودة في هذه المناطق أن يذهبوا إلى مقهى الدراويش، خاصة أنه المقهى الوحيد الذي يحمل تصاريح لإقامة الليالي الرمضانية وفق شروط معلومة لهم، ويلتزم بها المقهى.

ويعد الشيخ محمد متولي الشعراوى الداعية الكبير رحمه الله من أهم زبائنه، خاصة في العشرة الأواخر من شهر رمضان حيث يجلس ويأخذ أسماء العمال والفقراء ويرسل لهم الزكاة، وحتى بعد تأخر حالته الصحية كان يرسل أقرباءه ومعاونيه ليأتوا بالزكاة للعمال والمساكين من زبائن المقهى، وكذلك كان الفنان الكبير المخرج يوسف شاهين مغرمًا بهذا المقهى، وكان دائمًا يزوره ويجلس فيه لساعات طويلة.

ووجود هذا المقهى العريق في حي الحسين بالتحديد أضاف إليه نكهة روحية فوق ميزاته العديدة؛ لأنك بوصولك لمقاهي الحسين لا بد أن يغمرك إحساس عجيب بالراحة النفسية، وهذا الشعور يثير أغلب المتجولين في أسواق الحسين أو الزائرين لمقام سيدنا الحسين إلى مقهى «الدراويش» حيث تملأ المكان أصوات المنشدين ومطربي الأغاني التراثية والشعبية، ورغم مرور السنين الطوال على إنشاء المقهى قام أصحابه بعمليات تطوير كبيرة من حيث الخدمات أو الديكورات مع حرصهم للاحتفاظ بأصالته باختيار الديكور والمقاعد والطاولات بما يتناسب مع تاريخه، وكان هذا المقهى يقدم الشاي والقهوة فقط، إلا أنه الآن يقدم كل أنواع المشروبات الساخنة والباردة.

طعم خاص.. وتفرد نادر

في حي الحسين هناك تنافس شديد بين المقاهي الأخرى لاستقطاب الزبائن المارين في الطرقات الضيقة بعكس مقهى «الدراويش» الممتلئ بزبائنه المعروفين، ويرحب بزبائنه الجدد في أي لحظة.

ويقول محمد عبدالوارث، أحد أصحاب الأماكن المجاورة لمقهى «الدراويش»: «إن هذا المقهى له طعم خاص وتفرد نادر».. مشيراً إلى أن آلاف الزائرين لمقاهي الحسين يذهبون لكل المقاهي الأخرى، والتي عرفوها من خلال الإعلام المكثف حولها، بعكس هذا المقهى الذي لم يستجد أي زبون للجلوس عليه؛ لأن أبناء المناطق القريبة هم زبائن دائمون، وأستطيع أن أقول إن أبناءهم توارثوا حب هذا المقهى من آبائهم وأجدادهم حيث تجد حتى الطلاب الجامعيين وأولاد المدارس صغار السن عندما يزورون الحسين تكون أولى وجهتهم هي مقهى «الدراويش».

ثقافة

أغلب أصحاب المحلات في الحسين وخان الخليلي يفضلون الجلوس على مقهى «الدراويش» وقال أحدهم إن أغلبنا لا يفضل المقاهي الأخرى، لأنها تجمع الغرباء القادمين من محافظات وأحياء بعيدة للتسلية، وكذلك من الأجانب والعرب الذين لهم عاداتهم وطقوسهم المختلفة في التعامل مع هذه المقاهي، ولكن مقهى «الدراويش» زبائنه من أبناء المناطق المعروفين لديهم، وهناك يجدون ما يتناولونه من أحاديث وصفات وهموم مشتركة.

وقال الدكتور حسين محمد الحسن سوداني، أستاذ في علم الاجتماع، الذي كان يتجول حول محلات الحسين ويبحث عن مقهى يجلس عليه: «أبحث عن مقهى أجد فيه نفسي وثقافتي»، فأشرنا عليه بأن يذهب إلى مقهى «الدراويش» فرحب بالفكرة.

قديما

يقول أحمد الصالح، أحد زبائن المقهى: «إن مقهى «المجاذيب» هو المقهى المفضل لنا في حي الحسين والجمالية والسيدة زينب والأزهر وغيرها من المناطق القريبة».. وبالرغم من تغيير اسم المقهى إلى «الدراويش» إلا أن الصالح لا يزال حريصًا على الاحتفاظ باسمه الأول معلقًا على ذلك بقوله: «نحن القدامى من الزبائن اعتدنا على هذا الاسم».