«وسط البلد».. قلبها النابض بألف شكل ولون
وسط البلد هي قلب القاهرة والشريان الذي يغذي باقي الجسد،كبار الأدباء كتبوا عن وسط القاهرة، ووصفها الشعراء بأجمل الأوصاف، ولم تخل قائمة الأفلام السينمائية عن عمل يوثق لها، تلك المنطقة التي تضمن أسواقًا لها طعم ونكهة خاصة، وهي أسواق وسط البلد التي يمكنك أن تتعامل معها على أنها سوق وسياحة ونزهة، ومقهى ترتاح فيه، وكتاب تقرأ فيه دون أن تجد له نهاية.
هي مجموعة أسواق عجيبة وغريبة، يختلف شكلها ومضمونها من شارع إلى شارع، فهناك شارع 26 يوليو «فؤاد» سابقًا، وشارع طلعت حرب، وشارع شريف، وعبد الخالق ثروت، وعدلي، وقصر النيل، والجمهورية، وفي كل شارع تختلف الأسعار والبضائع هي نفس البضائع، وكل شارع له زبائنه الدائمون الذين لا يشترون إلا منه.
عندما تبدأ رحلتك سيرًا على الأقدام فاعلم أنك إذا لم تتخذ قدميك وسيلة لتلك الأسواق فأنك تخرج منها كما دخلت لا تستقي منها شيئًا سوى شراء الحاجة التي تبحث عنها دون أن ترى في أسواقها العمارات الشاهقة والعريقة التي تحولت جميع مداخلها إلى فاترينات متقاربة كوحدة أساسية لسوق كبيرة يطلق على شوارعها سوق وسط البلد، ففي شارع 26 يوليو الشهير تجد كل شيء وبأسعار معقولة مقارنة بالشوارع المجاورة مثل شارع طلعت حرب الذي ترتفع أسعاره قليلاً عن شارع 26 يوليو، ويتميز بوجود مول كبير سمي على نفس اسم الشارع، والذي يحمل بداخله محالا تتميز ببيع الماركات العالمية، أما شارع قصر النيل فيتميز بنوعية راقية من البضائع، وأغلبها من الأحذية، وأسعاره عالية جدًا.
ورغم ذلك له زبائنه الذين لا يفارقونه كلما احتاجوا له، ولكن لشارع عبد الخالق ثروت طابعًا خاصًا فهو يضم العديد من الفنادق والمطاعم والمكتبات، ويوجد به قسم كبير جدًا للصاغة الذين يعتبرون شيوخ الجواهرجية في مصر، ويخلو هذا الشارع تمامًا من محلات الملابس والأحذية وغيرها من البضائع التي تتوفر في بقية شوارع وسط البلد.
وفي أسواق وسط البلد أكبر شريحة من الباعة المتجولين؛ بالإضافة إلى الذين يفترشون الأرض أمام المحلات الكبيرة، وغالبًا ما تجدهم يهرولون ومن خلفهم شرطة المرافق، والتي مجرد الظفر بأحدهم تحرر له محضرًا تحت تهمة إشغال الطريق مع مصادرة بضاعته إلى حين محاكمته.
من ناحية أخرى أطلق على منطقة وسط البلد العديد من المسميات فأطلق بعض المفكرين والمثقفين عليها «المجتمع المصري» باعتبارها تضم كل فئات الشعب المصري على مختلف ألوانها وثقافاتها؛ فهي منطقة لا تنام؛ غير أنها سوق رائجة لكل البضائع؛ فهي تضم مؤسسات الإنتاج الثقافي والفني، وأهم دور النشر في مصر، كما أن منطقة وسط البلد بكافيترياتها ومقاهيها المنتشرة في أركانها العريضة أصبحت منتزهًا نادرًا له خصوصية أندر.
كما يطلق البعض أيضًا على أسواق وسط البلد «أم الدنيا»، وهو اللقب الذي عرفت به مصر، ويعتبرها هؤلاء أنها نسخة مصغرة من مصر يحيط بها أشهر ثلاثة ميادين وهي ميدان التحرير وميدان رمسيس وميدان العتبة، وكل هذه الميادين تدخل ضمن خارطة وسط البلد التي أصبحت تمثل أفضل مثلث جغرافي في الوطن العربي.
احتياجات رمضان والعيد
وفي شهر رمضان من كل عام لا تستطيع أن تمر بوسط البلد دون أن تعاني للنفاذ من الكتل البشرية التي لا تترك بوصة واحدة دون أن تكون عليها قدم، وكل هؤلاء يبدؤون في الزحف إلى وسط البلد منذ بداية الشهر الكريم لشراء احتياجات العيد من ملابس الأولاد، خاصة الملابس المدرسية لما يصادف هذا العام التقاء رمضان مع بداية العام الدراسي، وفي الأسبوع الأخير من الشهر الكريم يزدحم المواطنون من أجل شراء كعك العيد لما تتميز به محال وسط البلد من خصوصية لمجرد المرور عليها لما تستنشقه من رائحة الكعك وبالسكويت والغريبة، ليس ذلك فحسب بل ترى الازدحام الشديد عليها من قبل المصريين والعرب لمجرد الحرص على الشراء من تلك المحال بالتحديد.
وما تتميز به محال أسواق وسط البلد بيع الملابس الجاهزة والأحذية التي تمتلئ بها السوق، خاصة محلات الملابس النسائية التي تحظى بإقبال شديد من النساء، فيقول أحد الباعة في شارع طلعت حرب إنه منذ أول رمضان وهو يرى العيد عندما يشاهد الأطفال فرحين، وهم يتجولون مع آبائهم لشراء احتياجاتهم للعيد، وأضاف أنهم يلعبون ويلهون بين ممرات المحلات بشكل يسر العين، وأشار إلى أن أماكن لعب الأطفال أيضًا تشكل أهمية بالغة في أسواق وسط البلد، ويقصدها الذين يحرصون على شراء ألعاب العيد لأولادهم من كل مكان.
سهر
منطقة وسط البلد عامرة في كل شهور السنة إلا أنها في شهر رمضان يتواصل فيها البعض، ليس من أجل شراء احتياجات العيد فقط، بل لأن مقاهي وسط البلد وأنديتها ومسارحها وميادينها تمتلئ من الصباح وحتى المساء بالمصريين والعرب، وهم في شهر رمضان يسهرون حتى الصباح يتبادلون النكات التي لم تخل من بعض الإسقاطات السياسية، وكذلك لا ننسى كل رواد فنادقها العامرة التي تزيد على ال500 فندق من كل درجات النجوم لحرصهم على قضاء أغلب وقتهم في الشهر الكريم في ميدان وملاهي وسط البلد ومقاهيها التي تحمل عبق القاهرة.
