تلعب الدراما التلفزيونية العربية دورا مهما في لفت الأنظار إلى واقع الحياة وتطوره وتعاطيه مع الشأن الإنساني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي حتى من خلال الدخول في بوابة المجتمعات العربية التي تعتمد على إثارة الكثير من القضايا الجوهرية بين طياتها إلى درجة تحولت معها الكثير من الأعمال الدرامية العربية إلى وثيقة اجتماعية وإنسانية بالغة الدقة والتعقيد في آن معا لجهة المشكلات التي دخلت في تفاصيلها محققة معها حضورا فنيا وفكريا لافتا وساهمت بشكل او بآخر في تربية المشاهد العربي على مشاهدة أعمال ذات صلة بمجتمعاتهم وحياتهم الداخلية.
وإذا كانت الدراما المصرية قد نجحت في وقت سابق في إثارة الكثير مما يمكن ان نسميه قضايا اجتماعية معقدة ، حققت انتشارا واسعا من خلال العمل الاجتماعي وعملت على تسليط الضوء على مشكلات اجتماعية خلف الأبواب المغلقة وبالتالي صار لزوما على أي دراما مصرية فترة التسعينات ان تجتهد لترقى لمستوى تطلعات المواطن المصري والعربي في آن معا، ولعل السينما خاضت معارك كثيرة في هذا السياق نجحت من خلالها في الدخول في أماكن خطرة للغاية ونبهت إليها بطرق فنية وفكرية مختلفة في حين مضت الدراما السورية تحقق الوقع ذاته عبر الدراما التلفزيونية .وفي هذا الموسم يبدو أن المسلسلات السورية اعتمدت على جميلات الشاشة السورية وصارت تميل نحو عرض المشكلات الاجتماعية التي تأخذ طابعا تحذيريا مبالغا فيه .
والذي تغلب عليها الشهوة الجنسية التي تنتشر بين الأشخاص بحس شهواني ودون رقابة من قبل العقل ، فتصبح لغة المخاطبة تحذيرية، ويصبح توجه العمل هو طلب الحيطة من العائلة السورية والعربية إزاء ما يسمى بحالة الأصدقاء من الجنسين فرب من دخل من باب البيت أول مرة قادر ان يثير الشغب دون وازع أخلاقي .
ويدخل في الشباك في المرة الثانية في إشارة إلى ان المعايير الأخلاقية في المجتمعات ربما صارت تميل إلى التراجع وصار الصديق يعشق زوجة صديقه ويقيم معها علاقة والفتاة التي تجالس صديقتها صباحا قادرة ان تخرج مع زوجها ليلا وكل هذا برسم أعمال تقاطعت بقضاياها لتبحث في حالة غير مسبوقة في الدراما السورية حالة لا تستحق كل هذا التهويل بل ربما تثير فزع المشاهدين واضطرابهم في حالة التعامل مع هذه الأعمال كشيفرات تحذيرية تشابه حملات التوعية من أنفلونزا الخنازير مثلا ..!وهنا لا بد للدراما الاجتماعية ان تراجع نفسها وموضوعاتها في حال شكلت في طريقة تقديمها ما يشبه الرسائل التحذيرية المباشرة في تفاصيلها حالة الخطابية والشعارات الموجودة فيها .
وهذا العام واجهت أربعة أعمال التوجه ذاته ، فالعمل الأول هو «زمن العار» عن نص نجيب نصير وحسن سامي اليوسف وإخراج رشا شربتحي وبطولة كل من تيم حسن وبسام كوسا وسلافة المعمار وقمر خلف، ويبث عبر أثير تلفزيون دبي كعرض أول ، والمسلسل الثاني «شتاء ساخن» الذي يبث عبر شاشة تلفزيون أبوظبي وهو من تأليف فؤاد حميرة وإخراج فراس دهني وبطولة عباس النوري وباسم ياخور ومحمد حداقي ورنا ابيض وغيرهم.
والعمل الثالث اسمه «قلبي معكم» من تأليف أمل حنا وإخراج سامر برقاوي وبطولة عباس النوري وريم علي وحسن عويتي وضحى الدبس ، والعمل الرابع «عن الحب والعزلة» من اخراج سيف الدين سبيعي وبطولة عدد من النجوم الشباب في سوريا منهم رامي حنا عبد المنعم العمايري وكاريس بشار وغيرهم وفي كل هذه الأعمال نجد ان ما صار يشد المشاهد للطبخة الدرامية فيها هي البحث في الحالة ذاتها اذ تبدو حكاية الخيانات المتكررة واحدة من القصص التي صارت تتكرر مع هذه الأعمال ويبدوان الموضه هذا العام في الدراما السورية هو الخوض في تفسيرات تبث الخوف من هوامش حمراء.
حققت الكاتبة امل حنا حضورا فاعلا في المشهد الدرامي السوري وكان أهم وآخر ما قدمت مسلسل «أحلام كبيرة» الذي أخرجه الفنان حاتم علي قبل ثلاث أعوام، وتناولت فيه مفاصل اجتماعية عل غاية من الأهمية في علاقة الاجيال مع بعضهم البعض.
وإذا كان معروفا عن الكاتبة أمل حنا هو قدرتها اللافتة على الدخول في عمق قضايا الحارات الشامية الحديثة وعرض تفاصيل الحياة فيها بكل تمظهراتها السلبية والايجابية ،مع قدرة تحليلية في بناء الشخصيات التي تتبناها ،فإنها في عملها الجديد فيلاقلبي معكم فيلا تطرح قضية إشكالية في وقوع الدكتور بشر ، يؤدي دوره عباس النوري ، في غرام زوجة صديقه أمل وهو زميله وصديق عمره .
ولكن هول المفاجأة بالنسبة لها هو طلبه منها ان تبادر إلى الطلاق من زوجها حتى يتاح لها ان تحبه ويتزوجا لاحقا في طرح سافر يتناقض تماما مع كل ما قدمته الشخصية من حضور ايجابي في العمل، وإذا كان عباس النوري قد أعلن في تصريحات صحفية أن الشخصية التي يؤديها شخصية تتقاطع كثيرا بين ما يتخيله الإنسان.
وما يعيشه على ارض الواقع مؤكدا ان هذا التناقض هو السر الذي يعطي للحياة قيمتها وجمالها ، إلا أن المبالغة في تقييم علاقته مع أمل الشخصية الإشكالية في المسلسل وصلت حدا نسفت فيه قيما إنسانية واجتماعية على درجة عالية من الخطورة والأهمية، وقصة العمل بتفاصيلها تحكي عن بشر الذي يتزوج من حنان وهي فتاة صبية تصغره بعشرين عاما لأنه يعجب ببرائتها وبأنوثتها ولكنه يدرك بعد زواجه بفترة قصيرة جدا أن البراءة والشباب وحدهما لا يكفيان لملء حياته العاطفية .
وهو سيتعرف بعد زواجه بفترة قصيرة أيضا إلى أمل المرأة المتزوجة والأم ويعجب بها ولكن أمل وإن كانت معجبة ببشر إلا أنها ترفض الطلاق من زوجها سامي الزوج المتفاني في حبها والأب المثالي وبالتالي يجد العمل منفذا آخر لتتحول هذه العلاقة إلى صداقة تجمع بين الاثنين ، وربما كان هذا الحل الأخير إنقاذ ما يمكن إنقاذه ولكن هذا ربما يأتي في وقت متأخر على الأقل إذا آمنا ان العمل الدرامي يجب ان يتضمن رسالة اجتماعية ما.
دبي - جمال آدم

