لهجات وعادات وملامح وأحياناً طرائف، تتوزع على دول وشعوب مختلفة، توافقاً مع أيام وليالي الشهر الفضيل.. وقبيل حلول شهر رمضان تنتفض الشعوب العربية والإسلامية مسترجعة تقاليد لا تليق إلا بالشهر الكريم، الجميع يتفق في خصوصيات تلازم رمضان، والكل يندمج مع عادات تتلاقى أحياناً وتختلف في أماكن أخرى، وجميعها تظل ملامح رمضانية جامعة، على الأقل على مستوى القطر المسلم الواحد.

في الجزائر، تلك الدولة العربية الأفريقية التي خصها التاريخ بكثير من الأوصاف والمميزات التي تجعل منها دولة عربية وإسلامية ذات خصوصية ملحوظة، ففي ذلك البلد يحفظ المجتمع الجزائري كثيراً من الأوصاف والملامح مكنونة في صدور الملايين ممن تجمعهم قرى أو مدن بلد المليون شهيد. وفي السطور التالية تفاصيل رمضانية أوفى نسردها على لسان أصحابها.محمد توفيق مواطن جزائري يقيم في دولة الإمارات، وهو متابع وقريب من الواقع الثقافي والاجتماعي في دول المغرب العربي، يقول إنه وبمجرد حلول الشهر الفضيل يبدأ الجزائريون في استقباله على طريقتهم، تراهم يهنئون بعضهم البعض، ويجتهد الكثيرون في تنظيف المساجد، وفرشها بالسجاد، وتزيينها بالأضواء متعددة الألوان، علاوة على تنظيف البيوت وتزيينها، على شكل تجديد سنوي تقليدي، قبل أن تهتم ربات البيوت بتحضير بعض أنواع الأطعمة الخاصة برمضان منها «الشوربة»، وبعض أنواع الحلوى الرمضانية مثل «الزلابية».

ويضيف أن شهر رمضان في الجزائر يمتاز بكونه شهراً للصيام والعبادة والتزاور والتراحم والصدقات، إذ لا يخلو بيت جزائري من القيام بشعائر الصيام كاملة، أما المساجد فتمتلئ بالمصلين وخاصة في صلاة التراويح، وفي تلاوة القرآن الكريم، وتقام مسابقات واحتفالات دينية لحفظ القرآن، تمتد إلى ليلة القدر التي تحظى بالاهتمام الأكبر لدى الجزائريين.

وقبيل حلول رمضان، فإن الجزائريين كما يوضح محمد، يستعيدون طلاء المنازل ترحيباً بالضيف الكريم، إضافة إلى شراء مختلف المستلزمات الواجب توفيرها لتلك المناسبة، حيث تبدأ ربات البيوت بتحضير مختلف أنواع التوابل، وما يستوجب توفيره لمائدة رمضانية تليق بالصائمين.

وخلال الشهر الفضيل، يحتفظ الشعب الجزائري بعادات وتقاليد توافق حالة التعدد والتنوع الثقافي في البلد، بحكم وجود المناطق والقبائل التي تمثل نسيجه الاجتماعي، وهذا التنوع يجد له روابط وثيقة مع مختلف الشعوب العربية والإسلامية، وفي المجمل فإن الجزائر كبلد عربي ومسلم، يشترك في كثير من التقاليد مع الشعوب العربية والإسلامية الأخرى.

ويؤكد محمد توفيق أن الشعب الجزائري يستعد للشهر الكريم بتغيير مفصلي يتجلى في شؤون المنزل الذي يغدو الملمح الأبرز على شهر رمضان، فالجميع يتسابق لاقتناء مختلف مستلزمات المطبخ، من أواني جديدة وأفرشة وأغطية، كما وتتسابق ربات البيوت لتحضير العديد من التوابل والبهارات والخضراوات واللحوم لحفظها في الثلاجات، لا سيما وأن شهر رمضان، يبقى المناسبة الوحيدة التي تجمع العائلات بلا استثناء حول مائدة إفطار واحدة.

وكما يوضح فإن الإفطار عند الجزائريين يبدأ بتناول حبات من التمر والحليب، يتبع ذلك «الحريرة»، وهي أكلة جزائرية تحتوي على دقيق الشعير، منتشرة في شرق الجزائر وغربها، في حين أن الوجبة الرئيسة في كل بيت جزائري، تتكون من الخضار واللحم، وهذه الوجبة لا يتم تناولها إلا بعد صلاة التراويح، يتبع ذلك تناول الشاي أو القهوة التركية، ناهيك عن حرص الجزائريين على تناول أكلة أخرى، وهي «الشوربة بالمعكرونة» مع اللحم والخضروات، وهي طعام غالبية الناس وأوسطهم معيشةً.

وتتكون المائدة الجزائرية من عناصر متعددة، منها «البربوشة»، وهي الكسكسي بدون المرق، و«الشخشوخة» وهي الثريد المخلوط مع المرق واللحم، يُضاف إلى ذلك «الرشتة» أو الخبز المقطع مع المرق، علاوة على أكلة أخرى شائعة لدى الجزائريين وهي «الطاجين»، تصنع من البرقوق المجفف أو الزبيب مع اللوز واللحم أو الدجاج، يضاف إليها قليل من السكر، وتقدم في أيام مختلفة من الشهر الفضيل، ولا بد من تواجدها على مائدة اليوم الأول من رمضان، ومن لم يفعل ذلك فكأنه لم يفطر.

وبعد تناول طعام الإفطار، يأتي دور الحلوى، بحسب ما يقول توفيق، وأشهرها حضوراً وقبولاً في رمضان، حلوى «قلب اللوز»، إضافة إلى «المقروط» و«الزلابية»، أما طعام السحور في الجزائر فيتكون غالباً من المسفوف، وهو الكسكسي المجفف، وهذا النوع أصبح عادة الجزائريين في سحورهم.

ومن الحلويات التقليدية الذائعة الصيت جزائرياً «القطايف» و«المحنشة» و«صبيعات العروسة» و«الصامصة»، ومن الأطباق الشهية أيضاً «البوراك» و«البريك» و«المثوم» و«مرق السفيرية»، إضافة إلى مأكولات شعبية أخرى مثل «المدربل» و«الكبدة المشرملة» و«الدولمة» و«الكباب» و«بوسو ولا تمسه»، ومما هو معروف عن الجزائريين شغفهم بتحضير مائده إفطار متميزة خلال رمضان، يخصصون لها ميزانية مالية كبيرة.

ويضيف أن الجزائريين يستغلون شهر رمضان وبالذات ليلة السابع والعشرين منه «ليلة القدر» باعتبارها ليلة مباركة من أجل ختان أبنائهم «الطهور»، وتلك مراسم تقليدية رائجة، تتم في جو احتفالي بحضور الأقارب والأصدقاء، وتحضر لهذه المناسبة أشهى الأطباق والحلويات، وترتدي النساء أجمل الألبسة التقليدية «الكاراكو»، ويلجأن إلى تخضيب أياديهن بالحناء، كما تفرش المنازل بأبهى وأجمل المفروشات.

ومن العادات الجديدة لدى الجزائريين في رمضان، كما يوضح محمد، دعوة أهل الفتاة لخطيبها وأهله ليلة القدر للإفطار معاً، وهي فرصة للتقريب بين العائلتين قبل الزواج، يقدم فيها الرجل لخطيبته هدية تدعى «المهيبة»، التي عادة ما تكون خاتماً أو أساور من ذهب، أو قطعة من قماش رفيع.

ومن أحب الاوقات في رمضان لدى الجزائريين، فترة ما بعد الافطار، أو «السهرة»، حيث يخرج الرجال إلى صلاة التراويح، ثم الالتقاء في المقاهي للسمر.

وبمجرد الانتهاء من الإفطار، تدب الحركة عبر طرقات وأزقة المدينة، إذ يتوجه الكثيرون إلى بيوت الله لأداء صلاة التراويح، ويقبل آخرون على المقاهي وزيارة الأقارب والأصدقاء للسمر وتبادل أطراف الحديث في جو لا تخلو منه روح الفكاهة والمرح والتلذذ بارتشاف القهوة أو الشاي حتى انقضاء السهرة، كما يشرح لنا محمد توفيق الجزائري.

دبي ـ عنان كتانة