البحر بامتداد زرقته الشاسعة وعجائبه وأسراره يمثل منجم حكايات يعود بها البحارة لترتوي به جلسات السمر، فتنشأ ألفة مع البحر لا يدرك لذتها إلا أبناء الساحل الذي يصبحون ويمسون على صوت الموج وأغاني السفن.
وذكريات البحارة قصص متنوعة تجدها ثرية دوما بالمغامرات والأشعار والحكمة وكأن هذه الرحلات مدارس تصنع الرجال وتشذب أرواحهم وتغني قلوبهم بمشاعر جميلة.يقول أحمد عبيد الهنداسي: عرفت البحر منذ طفولتي فنحن من الناس المحظوظين إذ إننا أهل نخل وبحر وقد كنا خمسة أخوة نعيش في بيت واحد ووالدنا كبر في السن ، والنخل لا يحتاج رعاية كثيرة لذا رشحني اخوتي للعمل في البحر، فذهبت للغوص والصيد وتعلقت بالبحر وبقيت فيه سنوات طويلة، وأذكر حين كان الرجال يصيدون فيلاالعومةلالا أسماك السردين يشلون شلات كثيرة منها « يا محلا براد القيظ يحلا بظلة الغافة ـ يا خوي الشتا امغثة يبغي لبس ولحافة » وأنا سرت عند محمل عبد الله بن علي وكنا نبحر 25 يوما من اجل البحث عن الرزق والكد على أهلنا، وكان الرجل يخرج للعمل في البحر ليجمع تكاليف عرسه ومهر عروسه.
ويتحدث الهنداسي عن مواعيد الغوص قائلا : كنا نذهب إلى الغوص في بداية الصيف فحين يكون الجو حارا في البر يبرد البحر ويكون مناسبا للغوص، حيث كنا نغوص للصيد المحار وجمعه وتسمتر هذه الرحلة حوالي 25 يوما وتخرج لهذا الموسم عدة أبوام قد يصل عددها
إلى ستة، وكل بوم يجمل حوالي 20 بحارا، وهناك موسم آخر للغوص يكون طويلا وصعبا يقوم به البحارة بالرحلة نحو المغاصات البعيدة، وتأتي صعوبته من أنه يمتد لمدة طويلة تصل إلى ثلاثة أشهر يكون الجو فيها حارا جدا، أما نحن فنذهب للغوص مرة أخرى في فصل الخريف لثلاثة أسابيع، وفي شهر رمضان المبارك نبقى مع أهلنا فلا غوض في هذا الوقت عندنا.
وتحصل خلال الرحلات طرائف كثيرة يتذكر منها الهنداسي حكايته مع البيض قائلا : في إحدى رحلاتنا ذهبنا إلى شيص لبيع المحار وبعناه كله فعدنا والمحمل فارغ وذهبنا إلى جزيرة مسندم ثم جئنا إلى جزيرة اسمها الغنم فوجدنا فيها بيضا كثيراً أخذناه وقمنا بسلقه لكي لا يفسد خلال رحلتنا، وكنت شابا قويا في ذلك الوقت، فأكلت أربعين بيضة مسلوقة وحين وصلنا رفض صاحب المحمل اعطائي حصة من البيض فقد قال أنت أكلت حصتك في البحر، وذهبنا إلى رجل دين ليحكم بيننا فسأل النوخذة هل عمل معكم وساعدكم في البحر؟
فقال النوخذة نعم، فأجابه إذن له ما أكل هناك ويأخذ حصته مثلكم، وبالفعل أخذت حصتي من البيض، وفي ذلك الزمن كان طعامنا في البحر عيشا وتمرا وسمكا ولا يوجد شيء غيره، وقد كنا نبحر إلى الجزر المحيطة بدبا ونصل إلى عمان ونعود، ونفرح حين ينزل المطر لأننا نحصل بعد المطر على أنواع كبيرة من اللؤلؤ.
وفي بوم عبد الله بن علي الضنحاني في الماضي حصلوا لؤلوة كبيرة جدا باعوها في البحرين وهي الآن محفوظة في متحف البحرين .
ويشير ابو أحمد إلى أن عمله كان غواصا، لكن السفينة تحمل عدة أشخاص لكل وظيفة مختلفة قالمجدمي هو قائد السفينة والمسؤول عن البحارة وهو في الغالب يكون قائد السفينة ويكون معه بحارة للغوص يبحثون عن المحار ويجمعونه ويمون الغاصة وواحدهم الغيص وتكون مهمتهم هي الأصعب لأن بعض الغاصة لقوا حتفهم خلال الغوص في عمق البحر، وهناك مهنة أخرى هي مهنة السيب الذي يكون مسؤولا عن سحب الغاصة من قاع البحر، والصبي حين يلتحق بالسفينة يعمل تبابا أي انه يقوم بالاعمال البسيطة .
وينفذ الأوامر لكي يتعلم الغوص ويصبح فيما بعد غيصا، وهناك اليلاس وهو الشخص الذي يقوم بفلق المحار، أما السكوني فيقوم بقيادة السفينة حسب أوامر النوخذة إذ أنه يوجه الدفة حيب وجهة السفينة، ولا يكتمل العمل بدون النهام الذي يغني للبحارة ويشجعهم على العمل ويخفف عنهم التعب ببث الحماس والمرح بينهم حيث يشاركونه الغناء والشلات، وقد كانت تلك الرحلات على صعوبتها تجربة مهمة تعلم الصبر والقوة والثقة بالنفس وتجعل الانسان ينسى الخوف فهو يواجه اصعب المواقف في عمق البحر ويتحمل الجوع والفراق والتعب الشديد لذا يكون البحارة أصحاب شخصية مختلفة عن الآخرين، وما زلت أحن إلى أيام الغوص على الرغم من أني تركته منذ خمسة عشر عاما.
وعملية الغوص عملية صعبة لا يجوز الخطأ فيها لئلا يفقد الغواص حياته حيث يفصل الباحث عبيد بن صندل تلك العملية في كتابه ملامح من تراث الإمارات قائلا : يستيقظ البحارة في الصباح الباكر فيصلون جماعة ثم ينهضون إلى العمل فمنهم من يواصل فلق المحار ومنهم من يغوص بحثا عنه، ويقوم « السيب» بسحب الغواص عندما يتلقى إشارة منه.
وتسمى تلك الإشارة النبرة، حيث يخرج الغواص وهو يحمل «الديين» وهو كيس مصنوع من خيوط مشبكة به عروة يعلقه الغواص برقبته أو بحبل « اليدا»، وعادة ما يضع الغواص في رجله حصاة من الرصاص تساعده في الغطس إلى قاع البحر، وعندما يصل إلى القاع يتخلص منها فيسحبها السيب إلى أعلى ويبقى الغواص متمسكا بحبل الانقاذ « اليدا» ويلبس الغواص في أصابعه ما يسمى «الخبط» لحماية أصابعه من الأذى والجروح عند اقتلاع المحار من بين الصخو، وعندما يكون هناك «دو» وهو حيوان هلامي يلسع لسعة مؤذية يقوم الغواصون بارتداء «لبس» وهو رداء مكون من قميص وسروال يغطي أجسامهم ويقيها تلك اللسعات.
ويضيف : يمنع الغواصون من شرب الماء الزائد لأنه يؤثر في سرعة وصولهم إلى قاع البحر فالماء يؤدي إلى انتفاخ بطونهم وهذا ما يمنعهم من الغوص إلى الأعماق، وتتم عملية الغطس بالتناوب فتأخذ المجموعة التي غطست قسطا من الراحة وهي وقفة قصيرة يسترجعون فيها انفاسهم ويجففون اجسامهم ويمكن لبعضهم أن يتناول فنجانا من القهوة ثم يعودون إلى الغوص حتى تحين صلاة المغرب التي تعلن انتهاء يوم العمل الشاق.
دبي - دلال جويد

