كثرة إنتاج المسلسلات أتاحت للكثير من الممثلين إبراز جوانب خفية من مواهبهم وقدراتهم المتجددة على اتقان أدوار لم يعهدها الجمهور من قبل. ويبقى الاختلاف واضحاً لدى الجمهور المتابع، الذي يعطي لنفسه الحق في أن يمزق صورة ممثل ما، لصالح صورة أخرى رسمها الممثل من جديد عن نفسه بذات المهارة التي استطاع أن يرسم غيرها من قبل، منهم الفنان عباس النوري الذي عرف من خلال أدوار الخير والشهامة.

لكن النوري غيّر ملامحه المعهودة، لصالح ملامح جديدة حددت بوضوح منذ الحلقات الأولى لمسلسل «شتاء ساخن» الذي يعرض خلال شهر رمضان المبارك على قناة أبوظبي الفضائية، والمسلسل من تأليف الكاتب فؤاد حميرة الذي يطرح عبر أحداث مسلسله عدداً من القضايا الساخنة، مركزاً على مشكلات الطبقة الوسطى في سوريا، في قالب بوليسي لا يخلو من التشويق عبر شخصيات مدروسة، ومرسومة بإتقان وجرأة، تقوم بأدوارها في إطار حبكة درامية استثنائية أدت إلى جذب المشاهد لمتابعة أحداث المسلسل بعد رؤية الحلقة الأولى منه، وقام ببطولتها عباس النوري، باسم ياخور، رنا الأبيض، محمد حداقي، سامية جزائري، جيني أسبر، وغيرهم. والقصة كما ذكر الدهني في أكثر من لقاء مستوحاة من حادثة حقيقية جرت في إحدى المناطق القريبة من دمشق عندما انتحل مجموعة من الأشخاص صفة رجال الأمن وألقوا القبض على صاحب محل مجوهرات مع ابنه وصهره وقتلوهم، ورموهم في البئر، لكن الجريمة انكشفت بالمصادفة عبر شريط تلفزيوني مسجل بالخطأ.

إلا أن هذه القصة وغيرها جعلت المسلسل يضج بالكثير من الأحداث، ومن خلاله يبدو عباس النوري الشخصية المحورية يتحدث بلهجة خاصة جداً، بصوته الأجش، وهيئته المتجهمة، ووجه العابس على الدوام، ليمنح من خلال هذه الصفات الخاصة لـ «وكيل» وهو اسم الشخصية التي يؤديها النوري للتحرك بحرية، ملامسة واقع ما يجب أن تكونه حقاً، بعيداً عن أبوعصام الشهم، وغيرها من شخصيات اشتهر بأدائها.

إن «وكيل» في مسلسل «شتاء ساخن» مجرم سفاح، ربما لكونه رجل مثقل بالديون والأعباء، كما أنه يعيل أسرة مفككة مختلفة في الطباع والأهواء والتصرفات.

هذه الأسباب وربما غيرها، جعلته يختار الطريق غير المشروع، كي ينقذ نفسه وعائلته من براثن الفقر والحاجة، لهذا يبيح لنفسه كل شيء، ويتحول من سارق إلى مجرم ومن جريمة واحدة إلى جرائم عدة، إلى أن يصبح القتل بالنسبة لـ «وكيل» مهنة جديدة، كي لا يكتشف رجال الأمن، ومن بينهم ابنه خلدون الذي يقوم بدوره الفنان خالد قيش، عصابته ويفكوا بالتالي رموز جريمته الأولى.

يعد «وكيل» الدور الأول الذي يلعبه الفنان عباس النوري في عالم الإجرام، مما جعل بعض المشاهد يواجهون صعوبة في تقبله، خصوصاً أنه عرف من خلال أدوار الخير والمروءة والشهامة.

لكن النوري يثبت من جديد أنه ذلك الفنان المحترف القادر على لعب مختلف الشخصيات مهما كانت صعوبتها، وهذا ليس بغريب على كل فنان قادر على امتلاك أدواته والتحكم بها بمهارة فائقة.

إلى جانب النوري، يؤدي الفنان باسم ياخور دوراً مركباً، فهو المحرض على الجريمة الأولى التي نفذتها عصابة «وكيل» ولم يقف عند هذا الحد بل أصبح الشريك في الجرائم المتتالية، وتتوالى سلبياته التي لا تقف عند حد معين فهو شخص انتهازي سعى إلى سرقة زوج أمه أبو سليم الذي يعمل صائغاً بمساعدة وكيل وعصابته. لكن الواقع مزق أحلامه وأهدافه من السرقة، بعد أن فر أحد أفراد العصابة بالأموال المسروقة، واختفى تماماً عن الأنظار.

ولا يقف سيناريو (شتاء ساخن) في رسم ملامح الشخصيات الإجرامية فقط، بل يطرح كاتبه فؤاد حميرة بجرأة نماذج جديدة لم تقدم من قبل عبر الدراما السورية، ويتخطى بطرحه الجديد الخط الأحمر الذي عهده المشاهد من خلال شخصية سامية، الفتاة التي تبتعد عن أنوثتها لصالح ميولها الذكورية، وهذا ما يجعلها تعمل على تغيير جنسها.

وفي المسلسل كما في الحياة نماذج مختلفة لشخصيات اختار منها المؤلف من هو مختل عقلياً، ويؤديها بإتقان الفنان الشاب محمد حداقي (زاهر) الذي يقوم بدور شقيق المجرم وكيل.

إنه اختيار يجمع قضايا كثيرة تعكس الكثير من النواحي السلبية المرفوضة اجتماعياً لكنها موجودة على أرض الواقع، ربما هذا ما جعل مؤلف العمل يتناول قضايا فساد أخرى مثل قضية خيانة ذوي القربى، من خلال أحداث العلاقة التي تجمع عباس النوري (وكيل) ب(فريال) زوجة (زاهر)، بينما تفرط عبر أحداث المسلسل إحدى الفتيات بشرفها، لتشتريه فيما بعد عبر العمل الجراحي، الذي يعيد إليها عذريتها من جديد، وفي جانب آخر يظهر التدين بشكله السلبي من خلال نموذج الشاب الذي يتجاوز حدود الدين بقيمه النبيلة، متجهاً للتشبع بالتعصب مما يعكس صورة مشوهة للدين وقيمه.

وفي المحصلة مهما كانت الأحداث أليمة يبقى الواقع أكثر ألماً عن هذا قال مخرج العمل فراس الدهني: هناك ما يرتبط بالإنسان وبيئته عندما يصارع الإنسان عدواً خطيراً اسمه الفقر، الذي يؤدي إلى صراعات أخرى لا حدود لها.

أبوظبي - عبير يونس