وسط زخم الأعمال الدرامية المعروضة خلال شهر رمضان، التي تتنافس على جذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين، هناك أعمال تعلن عن نفسها بصمت وهدوء شديدين ودون ادعاءات اعلامية تذكر ضمن سياسة البث الحصري، في ما صار يعرف بحملات ترويجية لأعمال ربما لا تحمل الجديد أو المفيد مما تقدمه او تفصح عنه.
من هذه الأعمال مسلسل «للأسرار خيوط»؛ باكورة انتاج شركة «أرى الامارات»، التي اتخذت من الفجيرة مكانا لها. وعلى الرغم من تواضع العروض الأولى لمعظم المسلسلات هذا العام على محطات البث العربية، إلا أن هذا المسلسل استطاع أن يفرض نفسه وسط الأعمال الفنية المعروضة. ربما يطول الحديث للكشف عن الاستحقاقات الثقافية والاعلامية والفنية التي وعدت وتعد بها الفجيرة مستقبلا فيما قدمت ما يشبه المفاجأة للمهتمين بالشأن الثقافي خليجياً وعربياً من خلال سلسلة من المهرجانات واللقاءات الثقافية، وها هي تطأ مجال الانتاج التلفزيوني بمنتهى الثقة والتأكيد على الرغبة في خوض مجالات إبداعية جديدة.
«للاسرار خيوط» صاغ قصته وقدم اشعاره الشاعر والاديب الاماراتي محمد سعيد الضنحاني، وهي تدور حول العلاقة مع الوطن، وحالة الدفاع عنه ضد اطماع معينة، ونلفت هنا ان تاريخ الدراما لا يكشف عن محاولات درامية واسعة تحدثت في هذا الموضوع الحساس من الأعمال الخليجية؛ فيما يتعلق بموضوع الارض والقتال من اجل صونها والدفاع عنها، وهنا كان لابد من احترام وجهة النظر تلك، لاسيما في ظل ما صارت تعكسه السياسة من أطماع إقليمية في الارض الخليجية.
وبالتالي وجد المخرج المجتهد والاشكالي اياد الخزوز الفرصة مواتية ليقدم عملا بمستوى التحديات يحكي عنها من خلال الكاميرا، وإذا شبه البعض عمل «للاسرار خيوط» بالاعمال المصرية التي تحكي عن الاقطاع، ودفاع الفلاح عن أرضه ضد ظلم الاقطاعيين وجورهم؛ فهذا ليس انتقاصاً بحقه، وقد يبدو هذا الكلام قريباً من الحقيقة، ولكن للظروف الزمانية والمكانية المتعلقة بالعمل وضع خاص أفضى إلى هذه المعالجة، وبالتأكيد العمل ينفتح على آفاق واسعة، ويطرح الكثير من التساؤلات التي جرت في وقت مبكر من أربعينات القرن الماضي.
يدور مسلسل «للأسرار خيوط» حول الدالية، وهي عبارة عن قرية لها دلالة الرمز في الخليج العربي؛ رمز يقفز في المعالجة الفنية إلى توقيت آخر، ويستدل المشاهد على أن ساحة الاحداث هي الآن بمنظار الزمن الماضي، وتبرز لعبة المخرج في تعميق اسلوبيته الفنية في ابراز مكامن الشخصيات ونوازعها، مع اسقاطات تنسحب عليها لعبة القناع بالشكل واللون احيانا، والمخرج يبرع في تحقيق عنصر الزمان في حضرة المكان، ولكنه لا ينسى أن يقول إن كل ما يحدث على مسرح الاحداث هو لعبة بمنظار اليوم.
وهذا ما يشير الى اهمية اللعبة التي تقدم بلبوس الماضي، حيث يبرز دور الكلمة والفكرة بجوار الصورة، وتبرز أطماع اقليمية في ارض الخليج، وبالتالي فالعمل يحقق اضاءات فاعلة برسم المستقبل.
نرى أهل القرية يشتغلون في الصيد وبيع السمك والغوص، إلى جانب الزراعة والعناية بالنخيل والتمور. إنهم أناس بسطاء ليس لهم هم سوى العيش بكرامة وعزة وتحقيق أحلامهم البسيطة، كما تشير حكاية العمل.
ولكن أبو مسرة لا يتركهم في حالهم، فهو لا يكتفي بعكس حالة السواد الذي يعتمره على رأسه وفي قلبه، بل يمارسه كطقس يومي مع ابناء البلدة الوادعة؛ فهو يضع يده على كل شيء، يشتري من أهلها كل ما يحصلون عليه من البحر والأرض، وهو لا يشبع من هذا فقط، بل إننا نراه يستولي على مزارعهم وأراضيهم بإغرائهم بالمال.
وإذا رفضوا يستخدم القوة ليحصل على ما يريد. ويبدو خيار المخرج لغازي حسين كي يقوم بهذا الدور كسبا لخمسين في المئة من نجاح الشخصية، والخمسين الاخرى حصل على معظمها من فهمه الشخصية واتقانها، كما هو كسب لخيار جاسم النبهان الممثل الكويتي العتيق، وأحسب أن العمل قد حصل على طاقم تمثيلي جيد، وبعرف المسلسلات الخليجية فالعمل اختار نخبة جيدة من النجوم والفنانين المساعدين.
لا يتجاهل النص سيرة حياة أبو مسرة، فيقدمه رجلاً مؤمناً بالحظ والسحر ويعتمد اعتماداً كبيراً على العرافة «عيشة»، التي تستقي أخبار الدالية من الرجال، وتلقمها لأبي مسرة فيفرح بها ويسير على هديها.
المعركة في المسلسل بدأت بين الشر، والخير الذي يمثله أبو عبدالله، وثمة مستفيدون من كلا الوضعين، ويبدو العمل وهو يمضي للقبض على الاحداث تباعاً بمنظار الحكاية يغوص في مستويات من الاثارة تجعل المشاهد مشدوداً للحكاية التي تغري بتفاصيلها عشاق الدراما العربية، ويبدو الخزوز لاعباً محترفاً في جعل المشاهد ملتصقاً بالعمل وتفاصيله.
ونلفت هنا إلى أن العمل قد صور بالكامل في الفجيرة، التي سعى المخرج الى إعادة اكتشافها جماليا ودراميا، وعدم توفير أية لقطة تظهر هذا القدر من الجمال والرؤية، والتي قد نراها بصوت الفنان القدير حسين الجسمي الذي يعتبر بصوته احد ابطال العمل، وحسناً فعلت ادارة الانتاج بالاستعانة به لأن صوته اختزن في المقدمة معظم حالات القهر والحرمان التي يعاني منها أهل البلدة، التي لا نستعجل في معرفة تفاصيل حكايتها ومعركتها مع الشر والاطماع الخارجية التي ستحارب ضدها؛ فالحلقات المتبقية ستكشف عن سر الصراع وتطوره.
الضنحاني شاعرا وكاتبا
يعتبر الشاعر والكاتب محمد سعيد الضنحاني، الاب الشرعي لهذا العمل لما وفر له من سبل نجاحه مدعوما بنص شعري لا يقل درامية عن النص الاصلي، وهي التجربة الثانية للضنحاني في مجال الدراما التلفزيونية بعد «سرى الليل» الذي عرض ولقي نجاحا طيبا، وللضنحاني عدد من الأعمال المسرحية منها، قطرة، شراع السموع، اليازرة، يا ليل ما أطولك، الليلة الأخيرة، فانوس.
أما المخرج الاردني إياد الخزوز فهو صاحب الكثير من المسلسلات، منها سلطانة ودعاة على أبواب جهنم «مسلسل» «لم تتم كتابتها بعد» دعاة على أبواب جهنم، الذي عرض خلال شهر رمضان عام 6002 على الكثير من القنوات الفضائية، وشكل هذا المسلسل في حينه، نقلة نوعية في التعاطي مع قضايا الارهاب.
وشارك في بطولة مسلسل «للأسرار خيوط»، الذي أدار انتاجه ابراهيم علان بلال عبدالله، عبدالله ابو عابد، عبدالله صالح وعب الرحمن الملا من الامارات، غازي حسين من قطر، جاسم النبهان، ناصر كرماني من الكويت، أميرة محمد، شيماء سبت من البحرين، سميرة الوهيبي من عمان، إيمان القصيبي وسعد قريش من السعودية وغيرهم.
دبي - جمال آدم

