في دول الخليج كما هو الحال في مختلف الدول العربية والإسلامية، يتخذ شهر رمضان المبارك، المناسبة الأكثر احتراماً وقدسية لدى العالم الإسلامي، شكلاً مختلفاً في طريقة تعاطي المجتمع الخليجي معه، لا سيما في طقوس استقباله والاحتفال به في أجواء مفعمة بالروحانية.
وفي مملكة البحرين، واحدة من دول مجلس التعاون الخليجي، يخصص البحرينيون كثيراً من الوقت والجهد لاستقبال مناسبة عزيزة على قلوبهم، تختلف من وجهة نظرهم عنها في دول إسلامية عديدة، خاصة وأن رمضان يظل حلقة جامعة يتغنى في إطارها البحرينيون كافة في أبهى الأشكال والصور الاجتماعية والدينية، التي تعبر عن حالة ترابط وتوافق شعبية ورسمية تعم البلاد.وتتعدد أشكال الاحتفال بالشهر الفضيل لدى المجتمع البحريني، لتصل إلى حدود متعة يومية لا تفارق أي بيت بحريني، بما تشمل من خصوصيات رمضانية تفوح بالأصالة من داخل البيوت والأسواق والمجالس التقليدية الباقية إلى يومنا هذا.وكما تقول منى عبدالله، المواطنة البحرينية التي تقيم في دبي، فإن المملكة بشكل عام تعيش خلال شهر رمضان المبارك، أجواء رمضانية خاصة تطغى عليها مشاعر المحبة والود والروحانية، فأهل البحرين عامة يعتبرون رمضان مناسبة مواتية لإحياء العادات والتقاليد التي تميز بها الشعب البحريني عبر الأجيال المتعاقبة.
وخلال الشهر الكريم تتجذر في المجتمع البحريني عادات وتقاليد راسخة، كما تؤكد منى، وهي تجسد قيم المحبة والتواصل الديني والاجتماعي، وتنم عن التجانس بين أفراد المجتمع، حيث تقوم المؤسسات الخيرية بدور كبير عن طريق جمع التبرعات المالية والصدقات، وهذه الأموال تنفق على الفقراء والمحتاجين ومنها تكون مشاريع إغاثية في كثير من البلدان الفقيرة.
ولعل أبرز ما يميز رمضان في البحرين، هي تلك المجالس التي يقيمها الرجال في بيوتهم، ويدعون إليها الأقارب والجيران والأصدقاء ومن سواهم، والتي تبدأ بعد صلاة التراويح، وتعقد بهدف التباحث في شؤون الدين والدنيا، وسرد الحكايات من الماضي، إضافة إلى مناقشة القضايا التي تشغل الشارع البحريني في المجالات المختلفة، لا سيما الانتخابات التى تشهدها البحرين، حيث يتم تقييم أداء الناخبين في قضايا البطالة والإسكان والاقتصاد، علاوة على متابعة ما تبثه القنوات الفضائية من برامج مختلفة.
وتضيف منى عبدالله ان الخيم تظل من أبرز المظاهر الرمضانية في البحرين، وهي التي تجمع الأقارب والأصدقاء للسمر والترفية، فيما تتنافس الفنادق والمطاعم في إقامة الخيم الرمضانية مختلفة الأشكال والأصناف.
وتوضح أن صلاة التراويح تجمع البحرينيين رجالاً ونساءً في المساجد التي تفوح منها رائحة رمضان العطرة، أما المسابقات والمحاضرات والندوات الدينية، فتقام في خيم منصوبة لهذا الغرض، يتجمع فيها الأطفال والشباب، كما وينشغل الصغار أيضاً في ألعاب شعبية تقليدية مثل «الصعقير» و«الخشيشة» و«السكينة» و«الدحروى»، وغيرها.
وعلى صعيد التسوق في رمضان، يصر البحرينيون بمجرد قرب حلول شهر رمضان على شراء المواد الغذائية مبكراً وتخزينها في بيوتهم، حيث تزدحم الأسواق والمتاجر والجمعيات بالمواطنين والمقيمين من أجل توفير المواد الغذائية الرئيسية لطهي أشهى المأكولات الرمضانية البحرينية، ومنها «الهريس» و«الثريد»، إضافة إلى الحلويات التي تزين المائدة الرمضانية، مثل «المحلبية» و«الزلابية» و«الخبيص» و«الساقو» و«اللقيمات» و«خبز الطابي».
أما «الغبقة» البحرينية، وهي وجبات دسمة تقدم في ساعة متأخرة في وقت ما قبل السحور، فتبقى من العادات الرمضانية الراسخة لدى المجتمع البحريني، حيث يزور الرجال والنساء بيوت أهاليهم وأصدقائهم ويتناولون أشهى المأكولات مثل «المحمر» وهو الأرز الأحمر المحلى مع السمك، و«البلاليط» وغيرها، فضلاً عن احتفال البحرينيين في ليلة منتصف رمضان بما يسمى «القرقاعون»، وهي عادة تشترك فيها جميع دول الخليج العربي، بحسب ما تروي منى عبدالله.
وتحرص العائلات البحرينية، ورواد المجالس الرمضانية خلال شهر رمضان، على الالتفاف حول التلفاز لمشاهدة البرامج والمسلسلات التلفزيونية المتنوعة، فيما تمتد مظاهر الاحتفال بالشهر الفضيل لتطال أيام وداع رمضان في آخر ثلاث أو أربع ليال منه، ويكون وداع الشهر المبارك من خلال تجمع مسيرات تجوب الفرجان والشوارع، وهى تردد «يالوداع يالوداع..
عليك السلام يا شهر الصيام»، وذلك مشهد رمضاني بحريني يؤكد عمق اتصال الشعب هناك بالموروث الديني، كما توضح منى عبدالله، لا سيما وأن ظاهرة المسحراتي لا تزال قائمة في كثير من مناطق البحرين، وذلك على الرغم من أنها عادة تلاشت بشكل كبير في كثير من الدول العربية والإسلامية.
وتضيف ان دول الخليج قاطبة تجتمع على نمط مختلف من العادات خلال شهر رمضان، عنه في باقي الدول العربية، لعل من أبرزها المجالس و«الغبقات» الرمضانية، والغبقة تحديداً تقام في أماكن كبيرة كالنوادي والفنادق، وتصاحبها في الغالب تجمعات كبيرة ينضم إليها رجال الصحافة والإعلام وبعض الضيوف من كبار المسؤولين، ويحضر بعضها ملوك وشيوخ بحرينيون.
وتؤكد أن المجالس الرمضانية تختلف في نوعها وكلفتها، فمنها ما يكون فخماً داخل قصور وفيلات الأثرياء من كبار رجال الأعمال والسياسة، وخاصة العائلات العريقة في المملكة، وتتدرج بتدرج رغبة صاحبها في إظهار العظمة، وبعض أصحابها يعلنون عنها في الصحف اليومية، ومنها ما يكون متوسط الحال، للطبقة الوسطى أو ما فوقها من التجار، حيث انها المهنة الغالبة على أهل المملكة.
وأخيراً تأتي المجالس الشعبية في الأحياء الفقيرة والشعبية في البحرين، حيث يتجمع الأصدقاء ورواد هذه الأحياء، شيوخاً ورجالاً وشباباً، في خيم صغيرة تنصب في الساحات بين الأحياء، ولا تختلف محاور الحديث كثيراً، وهي تبقى في إطار السياسة والاقتصاد والمجتمع، وتلك المجالس البسيطة تعد الأقل عدداً في المملكة، عنها في المجالس الكبيرة، والبحرين تشهد في كل عام إقامة مئات المجالس الرمضانية، تتوزع بين اليومي والأسبوعي، كما تختتم منى عبدالله المواطنة البحرينية المقيمة في دبي.
دبي ـ عنان كتانة

