بفطرة سليمة صافية عرف أبناء الماضي قيمة الأرض والانتماء إليها؛ فأحبوها ودللوها واهتموا بتحويلها إلى بقع خضراء جميلة بمجرد أن وجدوا طريقا إلى الماء، فكانت الزراعة في الأيام السالفة علاقة عشق متبادلة بين الأرض والبيدار، فهو يسقيها حباً وجهداً ليستنطق كرمها، وهي تعطيه حياة جديدة مليئة بالخيرات، فما حكاية البيدار مع الأرض، وما الذي كان يزرعه، وكيف يهتم بمعشوقته الأرض؛ فيشذبها ويسقيها ويبعد عنها كل ما يؤذي؟

شكلت مناطق كثيرة في الإمارات واحات خضراء توفر فيها الماء، فسارعت سواعد الرجال إلى زراعتها وإحيائها حتى عرفت في الماضي بأنها مصادر مهمة لمختلف المحاصيل الزراعية، ومنها واحات العين والذيد وحتا ودبا والنخيل وشمل وفلج المعلا، وغيرها من مناطق الإمارات التي عرفت الخصب والخير منذ زمن طويل. بحث الأجداد عن الماء فحفروا الآبار وشقوا الأفلاج التي تعد وسيلة عبقرية للسقي.حيث نجدها منتشرة في مناطق الإمارات المختلفة ومنها فلج الذيد الذي يمر بواحة «الشريعة»، وكان مصدر الحياة للنخيل والناس والطيور والحيوانات، حيث يروي الناس أنهم وجدوا الفلج منذ جدودهم، يقول مصبح سالم: منذ أن ولدنا ونحن نرى فلج الشريعة الذي كان جريانه في الماضي دائما، وقد سماه الناس الشريعة لأنه مباح للجميع.

وليس محجوزا لأحد، وقد كان الناس يقيظون عندنا كل عام، ويروون من الشريعة، وكان فلج الذيد فلجا كبيرا يأتي من أماكن عدة تجتمع معا لتكون هذا الفلج وهي فلج الثمامي وفلج الحرملي وفلج مليحة وفلج البردي وتأتي مياه الفلج من باطن الأرض، وهي نوعان داوودي وغيلي، حيث تجري أفلاج الداوودي طوال العام بينما تجف أفلاج الغيلي عند انقطاع سقوط الأمطار، وهي رحمة من الله سبحانه وتعالى للبشر، وقد كان الناس متفقين على مواعيد لسقي نخيلهم لا يختلفون عليها؛ فلكل منهم موعد يعرفه ويعرفه الآخرون، ولا أحد يتجاوز على الآخر.

وفي مناطق أخرى شكلت اليازرة طريقة سقاية فريدة للمزروعات، يقول خميس عبد الله: في بساتين النخيل عندنا كنا نستخدم طريقة اليازرة التي تتم باستخدام الثيران لإخراج الماء من الآبار ونقله إلى المحاصيل، حيث يتم اختيار ثور قوي لهذه المهمة يربط بحبال إلى دلو أو دلوين ينزلان إلى البئر لحمل الماء ويقوم البيدار أي المزارع بقيادة الثور للحصول على الماء بطريقة تمثل بديلاً لعمل الماكنة، التي تقوم بهذا الدور حاليا، وقد كان الناس يربون الثيران في بساتينهم من أجل التأكد من قوته وقدرته على القيام بعمل اليازرة الشاق.

وقد كان تجهيز اليازرة وتركيبها يمثل عملا دقيقا تستخدم فيه جذوع النخل والدلاء والحبال وقطع من الخشب، إضافة إلى حفر «الخب» الذي يمثل حفرة كبيرة ينزل فيها الثور لتسهيل حركة الدلاء، وقد انتهت اليازرة وأصبحت من التراث بعد أن دخلت مكائن السقي والزراعة الحديثة، فصار البيدار ينام والماكنة تسقي.

والزراعة في الماضي تعتمد بدرجة كبيرة على البيدار، وهو المزارع الذي يقوم بمختلف أنواع الزراعة، وفي الغالب لا يمتلك البيدار أرضاً فيعمل في بساتين الآخرين، وهي مهنة شاقة ليس من السهل العمل بها، لكنها مهنة وطيدة العلاقة بالأرض وبشتى أنواع النباتات، حيث يكون البيدار عارفا بمواعيد الزراعة والعناية بالمزروعات. يقول احمد سعيد خميس عملت بيدارا منذ طفولتي، فقد كان الصبي يعمل قبل أن يبلغ مبلغ الرجال، لأن الحياة صعبة في الماضي.

ولابد من العمل للحصول على الرزق، وقد تعلمت العناية بالنخيل والأشجار المختلفة من البيادير من قبلي، فهناك مواسم لتنبيت النخيل وللصرام، وجني المحاصيل المختلفة وزراعتها، فالنبات مثل الطفل إذا لم تعتن به يتعب ويمرض وربما يموت، وكنت أحب عملي واحرص على رعاية المزروعات، فالنخلة التي لا تثمر أسمدها ب«القاشع»، أي السمك المجفف، وأتابعها حتى تستعيد عافيتها وتصبح نخلة مثمرة.

ويشير أحمد سعيد إلى الأنواع المختلفة من الثمار التي كانت معروفة في الزراعة فيقول: كنا نزرع الفندال أي البطاطا الحلوة وهي ثلاثة أنواع «حوسني أبيض» و«أحمر» و«بوبري» والأبيض من كل شيء أحسن، ولكن كل نوع له لذة خاصة، كما كنا نزرع الحمضيات مثل «اللومي» أي الليمون الصغير و«المركبي»، نوع من الحمضيات يركب من نوعين منها أو أكثر و«الشخاخ» أي الرارنج والسنطرة، وكنا نجفف اللومي ليستخدم في الطبخ فيما بعد، كذلك كنا نزرع الرويد أي الفجل والبصل والهمبة.

وكانت تلك المحاصيل تزرع إلى جانب زراعة النخيل الدائمة والتي تكون لها مواسم للتنبيت والتركيب وجني التمور، وكان أهل الزراعة في الماضي هم أغنى الناس لأن كل شيء متوافر عندهم من خيرات الأرض.؟وفي المناطق الجبلية كانت الوعوب هي مناطق الزراعة التي اختاروها لزراعة ما يحتاجون إليه من ثمار ونباتات.

حيث وجد أبناء الجبال طرقا مميزة لحماية المياه والاستفادة منها فبنوا بركاً خاصة للمياه تتجمع فيها مياه الأمطار التي كانت تهطل بغزارة في الماضي لتكون مصدرا لمياه الشرب، وأحيانا لسقي المزروعات. وكانوا يعتمدون على المواسم في الزراعة، يقول الوالد محمد بن راشد بن رشدوه: كانت زراعة الحب تبدأ مع هطول الأمطار فنقوم بهياسة الأرض أي حرثها بواسطة المهياس .

وهي آلة تشبه الشوكة الكبيرة ثم نبذر الحبوب وتأخذ وقتها لتنمو وحين يأتي الصيف يبدأون بقص السنابل التي تكون قد جفت في مكانها و«يزكرون» بعضهم بعضا ليكونوا «حشيدا»، أي متعاونين ومجتمعين للحصاد، حيث يتعاونون معا في هذا الموسم لقص السنابل ثم «خرافتها» باليز، ثم توضع «بالينور» ويتعاونون لدق الحب وتصفيته وخزنه، حيث تأخذ المرأة قليلا منه كل يوم لتصنع منه خبز التنور «السفاع» أو تطبخ منه العصيدة.

وبعد حصاد الحب يزرع الناس في مكانها أنواعا مختلفة من الخضراوات إلى أن يحين موسم زراعة الحب مرة أخرى. وهكذا كانت الزراعة مصدر الرزق للناس حيث كان الاكتفاء الذاتي طريقة مناسبة للحياة، فمع الزراعة كانت تأتي تربية الحيوانات المختلفة والدواجن والطيور والاستفادة من منتجاتها، إذ إن البيت يقوم على دعائم استمدت قوتها من جهود الناس الذين زرعوا وحصدوا رزقا حلالا طيبا.

أعمال الزراعة لا تستثني المرأة لم تكن الزراعة في الماضي مقتصرة على الرجال فقد كانت المرأة تساعد زوجها في أعمال الزراعة، فتذكر الوالدة عفراء الكتبي أن المرأة كانت في الماضي تقوم بأعمال كثيرة فهي ترعى الحلال وتجلب الماء وتطحن الحب، إضافة إلى أنها تساعد زوجها في الزراعة وجني التمور وتنظيفها وتنظيف الحب أي الحنطة والتخلص من النباتات الضارة.

وكان الرجل والمرأة يتعاونان على الحياة والعمل وتوفير الرزق لأبنائهما، ولم تكن المرأة مسترخية أو كسولة، إذ إنها مسؤولة عن بيتها وأبنائها وحلالها وزرعها في غياب الزوج لعدة أيام فتبقى مكانه.

دبي- دلال جويد