شهر رمضان المبارك، بطقوسه التي تتعدى الواجب الديني وحسب، يظل من أهم وأكثر المناسبات الدينية خصوصية لدى العالم بأسره، فيه تتوحد قلوب الملايين على امتداد الكرة الأرضية، ومنه تتألق عادات وتقاليد شعوب مختلفة، لترتسم في نهار الشهر الفضيل مثلما في ليله، لوحة بهية من الممارسات التي يعود معها المجتمع إلى سنوات طويلة مضت، بما فيها من إيجابيات وخصال حميدة توافق رحمة الشهر الفضيل، وحتماً سيجد معها الصغير والكبير متعة لا تغيب عن بال مسلم أينما وجد.

حكاية رمضانية جديدة نرويها على لسان أصحابها، ونلخصها بكل تفاصيلها وملامحها التقليدية، كما يراها أبناؤها. عاهد محمود عبدالله مواطن مغربي يقيم منذ سنوات عديدة مع عائلته في الدولة.. التقيناه فأطلعنا على تفاصيل أيام رمضانية معاشة في المغرب، تفوح منها عادات تلتصق برؤوس أصحابها منذ عشرات السنين، ليس لشيء سوى أنها أعراف حميدة أبى أصحابها إغفالها من الذاكرة. وبحسب ما يؤكد عاهد محمود، فإن أي مسلم يعيش على أرض المغرب يمكن أن يلحظ مدى احتفاء الشعب المغربي بقدوم الشهر الفضيل، ويظهر ذلك جلياً في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، حيث يبدأ استعداد المغاربة لاستقبال شهر الصوم في وقت مبكر، لا سيما في تحضير بعض أنواع الحلوى الأكثر طلباً على موائد الإفطار.

وكما يقول، فإنه وبمجرد حلول الشهر المبارك، يبدأ المغاربة بتهنئة بعضهم البعض، قائلين: «عواشر مبروكة»، والعبارة تقال بالعامية المغربية، وتعني «أيام مباركة»، وذلك توافقاً مع دخول شهر الصوم بعواشره الثلاثة: عشر الرحمة، وعشر المغفرة، وعشر العتق من النار، كما يعتبر أهل المغرب، الذي يسارعون في تبادل الأدعية والمباركة والتهنئة فيما بينهم، سروراً بحلول الضيف الكريم الذي معه تتغير حياة الكثيرين هناك.

ويظل رمضان الفرصة الأقوى والأعظم للتقارب وصلة الأرحام في المغرب، حتى وإن جاءهم بعد فراق وانقطاع فيما بينهم، فلا عجب أن ترى المحبة والبهجة ترتسم على وجوه الناس هناك طيلة أيام الشهر المبارك، في حين يبقى للمساجد المغربية، نصيبها الأوفر من رمضان، حيث تمتلئ بالمصلين لا سيما في صلاتي التراويح والجمعة، إلى حد اكتظاظ الشوارع المحيطة بها بصفوف المصلين، كما يؤكد عاهد محمود.

ويضيف ان وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب، تتولى الإشراف على «الدروس الحسنية الرمضانية»، وهي سلسلة من الدروس اليومية تقام خلال أيام الشهر الكريم، بحضور كوكبة من العلماء والدعاة، التي تلقى اهتماماً من الكثيرين، لارتباطها بواقعهم وإجابتها على أسئلتهم.

وتعليقاً على الأجواء العامة المعاشة في المغرب خلال الشهر الفضيل، يوضح عاهد أن ليالي رمضان تتحول إلى نهار؛ فبعد أداء صلاة العشاء والتراويح، يسارع الناس إلى الاجتماع والالتقاء لتبادل أطراف الحديث، وهنا يبرز «الشاي المغربي» كأحد أهم العناصر التقليدية المتوارثة، وبعد صلاة الفجر يخلد الكثيرون إلى النوم لتعويض ما فاتهم نتيجة السهر الطويل في ليل رمضان.

وفي بعض المدن المغربية تقام الحفلات والسهرات العامة في الشوارع والحارات، إذ يستمر السهر طويلاً حتى وقت السحور، الذي ينتعش بشخصية «الطبّال» أو المسحراتي، وهي عادة رمضانية لا تزال ذات حضور وقبول لدى المجتمع المغربي.. فعلى الرغم مما جاد به العصر الحديث من وسائل مختلفة، إلا أن ذلك لم ينل من مكانة تلك الشخصية، التي ظلت في بؤرة الحدث الرمضاني؛ حيث لا تزال حاضرة في كل حي وزقاق، يطوف بين البيوت قارعاً طبلته وقت السحور، مما يضفي على الأجواء مزيداً من الشعور الروحاني الذي تطلبه النفوس خلال رمضان.

وفي فترة ما بعد العصر، تدب الحياة في مختلف شوارع المغرب، وتنشط الأسواق كما يوضح عاهد محمود، حيث يسعى الجميع إلى شراء المستلزمات الخاصة بالإفطار من حلويات وفواكه وغيرها من المواد التموينية المهمة، مما يسبب زحاماً شديداً في مختلف المحال التجارية.

وفي حالة الإفطار، فإن كثيراً من المغاربة يفضلون التجمع حول موائد رمضان في بيوتهم.. وذلك كما يضيف عاهد، لا يمنع من إقامة موائد الإفطار الجماعية في المساجد، من قبل الأفراد والمؤسسات الخيرية، لا سيما في المناطق النائية والقرى والبوادي.

كما وتشهد المغرب خلال رمضان، إقامة موائد إفطار جماعية بعضها يلقى دعماً من الدولة، فمنذ تولي الملك محمد السادس السلطة، تم إنشاء مؤسسة الحسن الثاني للتنمية الاجتماعية، التي تقوم بتوزيع المؤن على الأسر المحتاجة؛ كالسكر والزيت والحليب.

ويؤكد عاهد أن الإفطار المغاربي لا يخلو من «الحريرة» كأكلة تقليدية رئيسية، التي أضحت علامة رمضانية، وهي عبارة عن مزيج من الخضار والتوابل تقدم في آنية تقليدية تسمى «الزلايف» ويضاف إليها الزلابية والتمر والحليب والبيض، والدجاج مع الزبيب.

وللحلوى الرمضانية حضور ساطع على المائدة المغربية، ومنها «الشباكية» و«البغرير» و«البريوات» و«السفوف»، و«الكيكس» و«الملوزة» و«الكعب»، والكيك بالفلو وحلوى التمر، وذلك بحسب المستوى المعيشي للعائلة.

وللمغاربة تقاليد مختلفة فيما يخص الإفطار الرمضاني، فعند أذان المغرب يتناولون الماء والتمر والحليب، وبعد صلاة المغرب تأتي الحريرة والقهوة والشاي والنشويات والأكلات الخفيفة، وبعد التراويح تكون الوجبة الدسمة مثل «طاجن» باللحم أو الخضار، ناهيك عن الحلويات التقليدية المتعارف عليها هناك.

وفي رمضان المغرب، كغيرها من الدول العربية، يلقي التلفاز وغيره من الوسائل المستجدة، ظلاله على الكثير من العائلات، وذلك في بعض الأوقات يأتي على حساب روحانيات وتجليات شهر رمضان، كما يوضح عاهد محمود عبدالله.. ومع قرب انقضاء أيام الشهر الفضيل تختلط مشاعر الحزن بالفرح، فراقاً لرمضان واستقبالاً للعيد.

دبي ـ عنان كتانة