في الماضي لم يكن الكسل يعرف طريقا إلى الأمهات، فحين تنتهي أعمال البيت والسقي والطحن التي تبدأ منذ الفجر، تجتمع السيدات حول فنجان قهوة وحبات تمر ليبدأ عمل آخر يجعل من المرأة سيدة بيتها بجدارة؛ فمن النادر أن تجد في البيت الإماراتي القديم أداة من أدوات البيت، وقطع أثاثه لم تصنع يدويا، بدءا من مكيفات الهواء اليدوية ومروراً بالمكبات والسرود والفرش وغيرها من المواد التي يحتاج إليها البيت وتجيد المرأة صناعتها من الطبيعة حولها.
صناعة الخوص أو السفافة واحدة من المهارات التي أتقنتها النساء فاستطعن أن يؤمن احتياجات بيوتهن من سعف النخيل الذي كان يتوافر في الطبيعة من حولهن، حيث اقتصرت أدواته على أمور قليلة أهمها مهارة اليدين والصبر والدقة في العمل لإنتاج مصنوعات تؤدي ما صنعت من أجله بنجاح، فهي تارة سجادة صلاة، وأخرى مفرش طعام يفرد للضيوف، أو يتحلق حوله أبناء الأسرة.والسفافة تبدأ بخطوات عملية تعرفها النساء ممن عشن بين النخيل، وعرفن كيف يتعاملن مع سعفه، تقول عفراء الكتبي: كانت النساء تجتمع تحت ظلال النخيل خصوصاً في مواسم القيظ، ليقمن بسف الحصر والسرود والمكبات، حيث يتم تحضير الخوص الملون بغليه مع الماء والألوان التي يجلبها الرجال من العطارين.
وبعدها يجفف الخوص، ويبدأ العمل به، كل امرأة تصنع ما تحتاجه، ونستخدم ألوانا متعددة منها الأحمر والأخضر والأزرق والأصفر.أما أم أحمد سندية علي فتقول: تستغرق المرأة أحيانا خمسة أيام لسف المكبة الكبيرة وثلاثة أيام للصغيرة، لأن العمل في السف لا يكون متواصلا؛ فالمرأة تقوم بهذا العمل بعد أن تنهي أعمالها المنزلية.وربما تكون مع صديقاتها فيتحدثن ويقمن بصناعة السرود أو المكبات أو غيرها، ولم نكن نشتري لبيوتنا شيئا من السوق؛ فنحن نصنع جميع أدواتنا وكان كل شيء من مصنع بلادي، وليس كما يحصل اليوم حيث تشتري الناس أثاثا بآلاف الدراهم، ثم تغيره خلال شهر أو شهرين، بينما كانت المرأة تقوم بكل شيء بنفسها، ولا تعتمد على أحد، ولا تعرف السوق أو الشراء منه.
وتضيف أم أحمد في مواسم الرطب كانت النساء تصنع الكثير من أدوات الخوص لتعطيها هدايا للمقيظين عندنا، وهناك من تكون ذات مهارة عالية وتستطيع سف كميات كبيرة فتبيع ما يفيض عن حاجة بيتها، وكانت المرأة تعلم بناتها السفافة معها فهن يجلسن حولها ليعرفن كيفية استخدام الخوص أو تحضيرة وكيفية عمل الظفيرة منه.
وتختلف استخدامات سعف النخيل في السفافة؛ فالذي في قلب النخلة أو قمة رأسها يستخدم في صناعة السلال والحصران، أما السعف الكبير الأخضر فيستخدم في السلال الكبيرة والمكانس وغيرها من الأدوات، ولا تستخدم الألوان في صناعة سجادة الصلاة، حيث تترك بيضاء لا يضاف وتصنع بشكل دقيق وأنيق.
وكان الخوص ينقع بالماء لتليينه وتسهيل جدله، وتجدل النسوة من هذا الخوص جدائل تشبك معاً، وتصنع منها السفة التي تكون نواة لأي أداة تستخدمها المرأة، وقد كان على المرأة أن تقرر ما تريد صنعه بالخوص منذ البداية لتعرف نوع الغرز والعقد التي تضعها في الجدائل؛ فلكل أداة طريقة صناعة مختلفة، ما يجعل منها حرفة مميزة تهتم بها النساء وتختص بها لحاجتها إلى الصبر والجلوس لفترات طويلة.
وتوجد أدوات منزلية كثيرة تستخدم بها أجزاء النخلة المختلفة، حيث تصنع القراقير للصيد وكذلك الأقفاص والكراسي، كما عرفت أنواع عدة من الأدوات المنزلية منها ما يستخدم لحفظ المواد الغذائية مثل السلال التي تأتي بأحجام مختلفة، والمكبة مثلثة الشكل وتستخدم لتغطية الأطعمة وحفظه من الحشرات والغبار، والجراب الذي يكون مستدير الشكل عميقا يحفظ فيه التمر، ومثل الضميدة التي تكون أصغر حجما ويحفظ بها التمر كذلك، أما المخرفة فهي سلة من الخوص يعلقها الرجل في رقبته حين يصعد النخل لجمع التمر.
وتعددت الأدوات التي تصنع من الخوص منها المشب وهو قطعة دائرية الشكل تستخدم في إيقاد النار وابقائها مشتعلة، أما المهفة فهي مروحة يدوية تختلف أحجامها تستخدم تستخدم للتهوية وترطيب الجو.
وكان الناس يستخدمون الأدوات بطريقة مبدعة فقد استخدموا الميزان من الخوص ويكون معلقا على طرفي عصا طويلة ومربوطا بخيوط قوية ويستخدم لوزن التمر والرطب، وكذلك استخدموا أسرة الأطفال الصغيرة المصنوعة من الجريد وخوص النخيل ليسهل حمل الطفل ونقله من مكان إلى آخر، كذلك القحفية وهي غطاء للرأس من الخوص صنعتها الأمهات لوقاية أطفالهن من حرارة الشمس وربما استخدمها الكبار خلال العمل في ساعات الصيف الحارة.
أما الجِفير فهو السلة المصنوعة من خوص النخيل ليستخدمها أهل البحر في حمل الأسماك ، فيما يستخدمها أهل البر في حمل الرطب، كما تُستخدم في حمل المشتريات من السوق.
يُصنع الجِفِير من (سُفَّة) مجدولة من خوص النخيل عرضها نحو أربعة سنتمترات، أما السرود فهي قطعة فنية مصنوعة من الخوص تفرش تحت الأطعمة، وقد أصبح الناس الآن يستعيضون عنها بمفارش القماش أو النايلون، وتأتي بأحجام مختلفة حسب كمية الطعام وعدد أفراد الأسرة، وهناك أنواع من السرود المزينة خاصة بالضيوف، حيث ترافقها مكبات من الحجم نفسه، أو تستخدم مكبات صغيرة لتغطية كل نوع من الطعام على حدة.
واعتمدت النساء على أنفسهن في صناعة الادوات الخاصة بهن فقد استخدمن أنواعا مختلفة من السلال لحفظ الملابس، والأغراض الشخصية ولتنظيم البيت، تقول مريم سالم: كانت المرأة تحرص على ترتيب بيتها ووضع كل شي في مكانه المناسب؛ فليس من اللائق أن تكون ملابس الأطفال أو الكبار مبعثرة، لذا صنعت النساء سلالاً خاصة للملابس وأخرى لأدوات الزينة والأغراض الشخصية.
وربما زينت المرأة بيتها ببعض التفاصيل الصغيرة أو القطع الفنية المصنوعة من الخوص، وقد أصبح الناس يعودون إلى استخدام مصنوعات الخوص التقليدية في تزيين مجالسهم وفي ديكورات منازلهم، وكذلك اهتمت الجمعيات التراثية والجهات الرسمية باستعادة هذا الفن والحرص على إحيائه من جديد.
والخوص هو أوراق السعف التي تكون متقابلة بشكل طولي تجمع من السعفة، وتدخل في عدة عمليات حتى تكون جاهزة للعمل يكون الماء أساس هذه العمليات، وقد تفوقت النساء في مناطق النخيل في تلك الصناعة بسبب توفر المواد الأولية لها، وتبدأ المرأة بخياطة السفة لصناعة القلدة الأولى التي تشكل أساس الصناعة ونقطة البداية لانجاز العمل.
دبي ـ دلال جويد


