هنا يمكنك أن تعيش ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة، لن يكلفك الأمر كثيراً، فقط.. وأنت تزور القاهرة اتجه بعربتك أو استقل الباص المتجه إلى كوبري فيصل، فبانتهاء الكوبري تجد نفسك في أطول شارع وهو شارع الملك فيصل الذي يضم أكبر سوق تجاري في المحافظة.

وفى أول الشارع وعلى يسارك تجد نفسك أمام زمن مختلف.. أسرة تملأ المكان بالضحكات أو شاب ممسك بيد حبيبته أو خطيبته يتهامسان وهما يتجهان إلى ذلك المقهى الفريد.. وربما يشدك هذا الجو الرائع وتتجه نحو المكان، وإذا فكرت في ذلك فقبل وصولك المقهى تسمع التخت الشرقي يتدانى إلى أسماعك مع أصوات المعجبين التي تعبر عن الإعجاب الشديد بتلك التوليفة الجميلة من مجموعة الموسيقيين الذين يقدمون أجمل الألحان القديمة.فهذا هو مقهى «الحرافيش» رواده معروفون ومن صفوة المجتمع وكبار الفنانين والأدباء والمثقفين، وبالرغم من أن كلمة الحرافيش تعني فقراء الشعب المصري في عهد المماليك فإنك تجد رواده من كبار الشخصيات.

يتميز المقهى بنوعية الزبائن الذين يترددون عليه والغالبية منهم أصحاب الكرافتات الشيك على مستويات علمية مختلفة وفي وظائف عالية المستوى، وأغلبهم من هواة الطرب الأصيل، ونلاحظ أيضاً أن جميع العاملين فيه يرتدون زياً موحداً عبارة عن سروال واسع وقميص يربط بينهما حزام حول الوسط، وعلى الرأس طاقية، وهذا المقهى يعمل لمدة 24 ساعة يومياً، وهو الأول من نوعه يجمع بين المقهى والمطعم حيث يقدم أكلاته بأسعار معقولة، ولا يقدم الخمور وليس به ديسكو.

نجيب محفوظ

ما يميز مقهى الحرافيش أيضاً أنه المقهى الوحيد الذي وضع لافتة كبيرة مكتوباً عليها «التدخين ضار بالصحة» رغم أنه يقدم الشيشة إلا أنه يحاول تشجيع الزبائن للتخلي عنها، ولذلك كانت اللافتة الثانية البارزة مكتوباً عليها «لا تقدم الشيشة لأقل من 21 عاماً».

وبدخولك المقهى تجد تمثالاً للأديب نجيب محفوظ الذي من شدة عشقهم له سمي بهذا الاسم منسوباً إلى رواية «الحرافيش» التي كتبها، وكذلك هناك ركن خاص يحمل اسم نجيب محفوظ تعرفه من خلال تلك اللوحة الكبيرة لشلة الحرافيش و«شلة الحرافيش» اسم أطلقه الفنان أحمد مظهر على شلة من الأدباء والفنانين تجتمع في أحد مقاهي القاهرة بينهم نجيب محفوظ بالإضافة إلى مكتبة تضم أهم رواياته.

وكذلك يوجد بالمقهى ركن للكاتب الساخر محمود السعدني وركن للشاعر بيرم التونسي ومكتبة بأهم كتبه وركن خاص لصور كبار الفنانين برؤية خاصة خطتها ريشة فنان الكاريكاتير السوري حسن أدلبي.

برنامج يومي يتميز به المقهى ولم يتغير منذ زمن طويل، يبدأ بعد العاشرة مساءً بفرقة التخت الشرقي التي تقدم مجموعة من الأغاني لأشهر نجوم الطرب في الزمن الجميل.. وخلال الفقرات الغنائية تقدم مجموعة من الكوكتيلات بأسماء روايات نجيب محفوظ مثل زقاق المدق والسراب وشهر العسل وغيرها وهي تتكون من فواكه معينة يعرفها الزبائن.

وزائر هذا المقهى حين يسأل عن كلمة حرافيش ما عليه إلا أن يشير إلى قائمة الطلبات وسيجد رداً وافياً للكلمة يقول شرحها: إنها ظهرت في كتابات الجبرتي، ووصف بها فقراء الشعب المصري في عهد المماليك، وبعده ظهرت في كتابات رفاعة الطهطاوي التي وصف بها مقاهي الفنانين والمثقفين في فرنسا.

وبعده أطلقه الفنان أحمد مظهر على شلة من أكبر أدباء مصر مثل نجيب محفوظ وتوفيق صالح وعادل كامل وجمال الغيطاني ومحمد عفيفي مطر وصلاح جاهين وبهجت عثمان، وأخيراً كانت في عمل أدبي للكاتب الكبير نجيب محفوظ وأطلق عليه اسم ملحمة الحرافيش ومنها أخذ الاسم لمقهى الحرافيش الذي تتحدث عنه في هذه المساحة.

خليجيون وشوام وسودانيون

وأنت تدخل المقهى ليلاً يلفت نظرك ذلك التنوع البشري من رواد مقهى الحرافيش، حيث تجد الخليجيين والشوام والسودانيين والمغاربة وغيرهم وهؤلاء من السميعة للطرب الأصيل.

وفي جانب من المقهى جلس صاحب المقهى د. فخري يوسف وعندما عرف مقصدنا رحب بنا، وقال إن ما يسعده في هذا المقهى هو أنه يضم جميع الأعمار خاصة الشباب والصبية الذين أصبحوا يلتفتون لجمال الأغنية القديمة ويتذوقونها بعد أن تدهورت أذواقهم بأغنيات «التنطيط» والصخب، كما أنه يمكنك أن تأتي مع أسرتك في مكان راق وتستمتع بكل ما تحمل الكلمة.

تركنا د. فخري، ودخلنا إلى داخل المقهى وأول ما لفت نظرنا ذلك الديكور المميز من مقاعد مزخرفة بالأرابيسك والزينة وهناك تصميم للديكور على جانب آخر يبدو مثل القباب، وتلك الأركان كل منها يحمل اسماً لكبار المبدعين، وعندما تفيق من كم الجمال داخل المقهى تستمع لموسيقى هادئة جداً تريح الأعصاب والكل مشغول بشيء في يديه، من يمسك بكتاب يقرأ فيه ومن هو ممسك بصحيفة أو مجلة يطلع على ما فيها وهناك مجموعات تضحك بصفاء شديد يفرضه المكان.

القاهرة: دار الإعلام العربية