الملايين التي أنفقت في تنفيذ مسلسلات رمضان ويتم حرقها يوميا على شاشات الفضائيات، لم تكن نتيجتها سوى أعمال هزيلة لم تؤثر في وجدان المشاهد رغم أننا دخلنا في النصف الثاني من الشهر الكريم، وهذه الأعمال معظمها لكبار النجوم الذين يحرصون على التواجد سنويا دون رؤية معروفة ومخطط لها.
وحرق هذه الملايين يأتي من باب زهد الجمهور عن مشاهدة هذه المسلسلات المليئة بالثرثرة والإعلانات المحشوة بداخلها، والمشاهد يعيش حالة من الانزعاج والتوتر نتيجة محاولاته للاستقرار على مسلسل أو اثنين يمكن استيعابهما، وهذا صعب جداً في ظل تعدد الأصناف والألوان المعروضة وتنوع النجوم بين كبار ووسط وشباب، الجميع يبحث عن تثبيت قناة يشاهد فيها مسلسله المفضل والنجوم يبحثون أيضا عن عقل المشاهد، الذي لا يزال يستوعب غالبية الأعمال المعروضة التي لم تدخل حتى الآن في صلب قضية موضوعاتها، طبعاً لأن أصول البيزنس تقتضي بأن تكون الحلقات 30 بالتمام والكمال، حتى يتمكن صناع الدراما في رمضان من البيع والشراء.
وبالتالي لا يبقى أمامنا سوى رصد الظواهر المميزة لهذه المسلسلات، ومن أهمها الشخصيات النسائية التي شكلت نماذج مختلفة للمرأة، بطباعها وآرائها وصراعها مع الحياة. في مسلسل «الأشرار» نتوقف أمام شخصية «باكي» التي تؤديها دينا.
وهي راقصة سيئة السمعة تمثل نموذجا موجودا في المجتمع المصري الحالي تحمل سمات العصر، استغلها بطل المسلسل الصحافي وتزوجها ليحاول كل منهما نسيان الأصل السيئ الذي جاء منه، وفي نفس المسلسل هناك نموذج الخادمة التي تصعد من الحضيض إلى القمة، وهو مثال لسيدات المجتمع من تلك النوعية أدت دورها لقاء الخميسي من خلال شخصية مركبة يتصاعد فيها الشر تدريجيا ليصل إلى الذروة.
وفي مسلسل «ابن الأرندلي» هناك أمثلة عديدة للسيدات، ولكن لفت الأنظار دور معالي زايد ودلال عبد العزيز، فالنموذج الأول لسيدة من عائلة غنية أجبرت على أن تعيش على القليل في حي شعبي، وبداخلها كل التناقض بين الطبقة التي من المفروض أن تكون عليها وبين حياتها الحالية، بالإضافة إلى أنها تعكس شكلا للمرأة التي نسيت الزمن وتعيش في الماضي، أما النموذج الثاني الذي تلعبه دلال عبد العزيز فهو مثال للمرأة المتفانية في خدمة من حولها.
والتي تستغل من عائلتها أسوأ استغلال وتعيش حياتها كاملة وهي خائفة أن يتركها زوجها، لأنها لم توفر له الحياة الخاصة التي يريدها بعيدا عن حالة الفوضى، وعلى الرغم من معرفتها باستغلال الآخرين لها والأخطاء الموجودة في شخصيتها، إلا أنها لا تفعل شيئا سوى الخوف وردود الفعل الخاطئة دائما.
وفي مسلسل «حكايات بنعيشها» قدمت ليلى علوي هذا العام شخصيتين مختلفتين كل منهما لها طباع وأبعاد نفسية مختلفة، فهناك شخصية هالة في جزء «هالة والمستخبي» تمثل نموذج بنت الحي الشعبي المكافحة الصبورة، التي تعيش في منطقة شعبية تعشق القراءة رغم حصولها على الدبلوم فقط، وتعمل في حضانة وتتزوج كأي فتاة بسيطة بعد قصة حب من شخص يستغلها استغلالاً بشعاً عندما يذهب بها إلى طبيب لعلاج العقم الذي تعاني منه، وبعد العلاج الهرموني تبدأ في إنجاب التوائم .
وهي لا تعرف أن الزوج بمساعدة الطبيب والممرضة يبيعون أولادها دون علمها ويكتفون بإعطائها طفلا واحدا في كل ولادة، وعندما تكتشف هذا تعيش مأساة أم تم بيع أولادها دون أن تدري، والشخصية الثانية التي تؤديها في جزء «مجنون ليلى» هي لفتاة حاصلة على الماجستير تتأخر في الزواج ما يجعل النظرة المجتمعية لها تتغير، بالإضافة إلى أنها نموذج جيد للشخصيات التي يغير الحب في تركيبتها النفسية لتصبح أكثر ايجابية على اتخاذ القرار.
وفي مسلسل «خاص جدا» هناك أيضا نماذج نسائية عديدة ولكن نتوقف أمام نموذجين، الأول تؤديه يسرا للزوجة الطبيبة الناجحة والمرأة الأنيقة وسيدة المجتمع الراقية والإنسانة القادرة على العطاء الدائم للمحيطين حولها، والتي تفاجأ بأن زوجها يحب امرأة أخرى، ولأن يسرا تمثل حاله خاصة للمرأة التي لا تخطأ باعتبارها واعظا اجتماعيا مثاليا، تقرر طلب الطلاق واتخاذ قرار الابتعاد بكل ما فيه من ألم نفسي .
وهذا النموذج رغم أنه نادر إلا أنه موجود، وهناك على النقيض شخصية المرأة التي تشعرك دائما بالاحتياج إليك، والتي لا تستطيع اتخاذ قرار حتى في اختيار قائمة الطعام التي تريدها في المطعم، وتؤديه «فرح» وتلك النوعية المستسلمة قد تشد إليها زوج المرأة الأولى القوية لأن بعض الرجال يعشقون الإحساس بأن هناك من يحتاج إليهم دائما.
وفي مسلسل «حدف بحر» نرى نموذج فتاة من حي شعبي، رصيدها وسر عذابها هو جمالها الذي تعاني منه في البداية ثم تحاول استغلاله بعد ذلك لمصلحتها، وفي مسلسل «هدوء نسبي» تشدنا المراسلة الصحافية نيللي كريم، التي أحبت ثم تركت حبيبها لتتزوج رجلا يعمل في الخارجية، ثم تعود لتعيش قصة حبها القديمة عندما تعمل مراسلة تغطي حرب العراق، أما منة شلبي فهي تقدم في مسلسل «حرب الجواسيس» مثالا للفتاة التي أحبت بكل قوتها شخصا خائنا للوطن.
والتي تحاول من خلال عملها كصحفية أن تكون نموذجا للفتاة التي تحب وطنها، وفي مسلسل «أفراح إبليس» تؤدي عبلة كامل دور الأم والزوجة الصعيدية قوية الشخصية والمليئة بالحنان، والتي لا تفعل شيئا سوى أن تكون مصدر سعادة للآخرين، وتفاجأ بأن زوجها يتزوج الفتاة الصغيرة التي عطفت عليها وأحضرتها لتعيش معها بعد موت جدتها، ومن هنا يبدأ الصراع الدرامي للشخصية.
دبي ـ أسامة عسل

