تذكرنا عودة الثنائي غانم الصالح وسعاد عبدالله في «أم البنات» بأشهر عمل جمعهما قبل أكثر من ربع قرن، واستقر في ذاكرة المشاهدين طويلاً، فما أن ترى «عقاب» و«شريفة» في أم البنات حتى تتداعى صورة محبوبة وسلطان في مسلسل خالتي قماشة الذي عرض في رمضان عام 1983، مع فارق كبير بين الثنائيين، فالغلبة في القرن الواحد والعشرين لصالح النزعة الذكورية، بينما تغيب صورة الأنثى الحكيمة والمتزنة في «أم البنات».

المسلسل يعرض قضية اجتماعية جوهرها المرأة، يصنفها البعض نموذجاً غير دقيق لهموم الحياة الأسرية في المجتمعات الخليجية التي قطعت شوطاً في منح المرأة حقوقها، وحالةً تُغرد خارج سرب الواقع، ويراها البعض استثناء أضفت عليه الدراما مبالغات بعيدة عن الواقع، بينما يُسجل العمل مفارقات لا تزال بعض الأسر تمر بها كرد فعل للتحرر المبالغ به من قبل البعض الآخر من العائلات بدليل تصنيفه الأكثر مشاهدة بين الأعمال الدرامية في رمضان هذا العام، ويبرر العمل صورته النمطية للمرأة المضطهدة بنتائج الانفتاح التي لا تقل في خطورتها عن الانغلاق والكبت الذي تعيشه العائلة في المسلسل.

تدور رحى الأحداث في منزل غانم الصالح «عقاب» تاجر الذهب ورب الأسرة المكونة من زوجته «شريفة»وست بنات وولد، وتمكن الثنائي سعاد عبدالله وغانم الصالح من الحفاظ على انسجام في الأداء المقنع وبين شد وجذب من حصد تفاعل المشاهدين بين مؤيد ومعارض لسيطرة الأب وخضوع الأم، وتتفنن «شريفة» زوجة عقاب في تبرير تصرفاته وذهنيته العسكرية لبناتها بسيل من أسباب لا تجدها الفتيات مقنعة. ويتضح جلياً من خلال دور «عقاب» الفرق في التنشئة وتكريس مبدأ المجتمع الذكوري.

حيث تبدأ دورة الحياة في منزل «بوصقر» بعد شروق الشمس، وتعكف البنات -اللاتي أجبرن على الاكتفاء بالتعليم الثانوي والانخراط في الأعمال المنزلية-، على تنظيف المنزل بشكل يومي والإشراف على طهو الطعام وغسل الملابس وكيّها والاهتمام بأدق تفاصيل راحة الوالد ومباشرتها في البواكير، بدءاً من قراءة عناوين الجريدة اليومية، مروراً بتبخير «دشداشته» .

وانتهاءً عند إعداد السفرة في غرفة النوم والوقوف استعداداً لأي طارئ، بينما يحظى «صقر» رجل البيت بعد عين «عقاب»بامتيازات عدة أهمها شرف تناول وجبة الإفطار إلى جانب الوالد، والتوجه إلى الجامعة التي حُرمت منها شقيقاته، إلى جانب الأحداث الرئيسية، يستعرض العمل عدداً من القضايا الاجتماعية الأخرى، عبر أحداث مساندة تدور خارج أسوار قلعة عقاب المنيعة.

تفوقت سعاد عبدالله في أداء اتسم بالمبالغة المقنعة في دور يُقدم صورةً نمطية وسلبية عن الأم، التي لا تألو جهداً في تعزيز مفاهيم عدة يلقنها زوجها وتتقبلها بقداسة لا تقبل النقاش، فعقاب يسوغ الحجج لشريفة لتبرير أساليب تعامله مع «حريم» بيته باعتبارها تكريماً للمرأة التي ما خلقت إلا لتُصان في منزلها وتعكف على خدمة زوجها أو أخيها متخليةً عن عالم خارجي لا تراه إلا عبر النافذة، أو الرحلات الطارئة، وبالمقابل يسعى هو جاهداً لتدليلها وتأمين متطلباتها داخل أسوار الحصن.

ويحرص الوالد على خطب ود بناته عبر تأمين احتياجاتهن، وتلك أساليب متعارف عليها تربوياً لتأمين سيطرة تامة على أفراد العائلة، عبر خطوات أهمها شراء أحدث أنواع الغسالات لحصة، وأجهزة كهربائية للكيك والمعجنات لمنيرة، والمضي في إحضار الكوافيرة إلى البيت، متبوعةً بخطابات المن والأذى.

عبر سلسلة من الأحداث تبوء كل محاولات تمرد الفتيات بالفشل، بفعل حزم الأب وتواطؤ الأم التي لا تخفيه سراً عن تحركات البنات داخل دهاليز الحصن، فعملية هروب «طيبة» إحدى البنات الست للدراسة في الخارج بعد حصولها على منحة من الدولة، تُحبط! بتواطؤ من «شريفة» التي تندفع لكسب رضا «عقاب» عبر إفشاء سر ابنتها عندما أبت السفر دون توديعها، وبالرغم من مساندة وتكتم شقيقها وشقيقاتها الخمس وعمتها الصماء حصدت البنات عقاباً جماعياً، حيث منعت ثلاث من البنات من استكمال دراستهن الثانوية درءاً لأي محاولات تمرد مستقبلية، على رأي المثل القائل «الباب اللي تجيك منه الريح سده واستريح».

تتفرع دراما أحداث البنات لتلقي الضوء على أحداث أخرى تدور في منزل الخال أبو إبراهيم الذي يجسد دوره علي السبع، وزوجته المدللة وابنته المتحررة «ردينة» وأختيه «نجيبة» والصغرى المطلقة «سعاد»، حيث التناقضات تعصف بعلاقة العائلتين اللتين تتبعان منهجين مختلفين في تربية أبنائهما من أقصى الكبت إلى أقصى التحرر، وتبقي على ود يجمع الأبناء عبر زيارات دائمة إلى بيت العمة «شريفة».

بعد قطع نصف المسافة في رحلة «أم البنات» تتسم الأحداث بالمزيد من التشويق، حيث لكل فتاة حكاية تتفاعل إيجاباً وسلباً مع مفاهيم تربت عليها، الأخت الكبرى حصة تطرق أبواب الثلاثين ولا زالت لا تتعرف سوى إلى الغسالة الكهربائية والشراشف والبياضات، تستمتع بممارسة دور الأم مع طفل هو ثمرة زواج فاشل لابن خالها «محمد»، أما مناير خزنة التاير كما يحلو للوالد تدليلها فتجد متعتها الدائمة في المطبخ، ولكنها تتقاطع مع «جمعه» في أحداث مشوقة، هو «صبي» العائلة الذي كتم سر إبصاره حتى تتسنى له فرصة البقاء قريباً من المحبوبة «منيرة» مسطراً فصلاً رومانسياً في قلعة عقاب العسكرية.

بالرغم من نتائجها لا تزال تلك ممارسات تحت عين عقاب وسيطرته، ولكن سلوك قماشة الأكثر تمرداً بين أخواتها يوقع الجميع في مأزق، رسائل حب وغرام تتبادلها مع شقيق زميلتها في المدرسة تودي بها مراراً إلى ما لا يحمد عقباه.

«صقر» الابن الوحيد للعائلة، تكمن فيه إحدى المفارقات في حكاية المسلسل، وبالرغم من الدلال الذي يكيله الوالد على الدوام، فلا يزال «صقر» يحتفظ بشخصية متزنة يجسدها حمد العماني بأداء متزن ومقنع، رافضاً اعتباره نسخةً عن أبيه الذي لطالما انتقد أسلوبه في إدارة شؤون المنزل.

تبقى العمة شماء الصماء، صاحبة ماكينة الخياطة التي تخرج من تحت إبرتها أثواب لشريفة وبناتها، وأخرى تزدحم في حقائب تدور في الفريج لأغراض البيع، شماء تحفي سراً تتعثر به إحدى البنات، يختزل حكاية زواجها وطلاقها الذي أثمر ابناً حرمها منه عقاب.

يقدم المسلسل الصورة النمطية للزوجة، وصوراً أخرى متباينة للبنات، وبالرغم من رفضهن للواقع إلا أن ردود أفعالهن تتفاوت بين الرضوخ والتمرد. الأحداث المقبلة تكشف عن تنامي مساحة الرفض وتزيح الستار عن نموذج آخر لشريفة أم البنات، عبر سلسلة من الأحداث كرد فعل لاستمرار سيطرة عقاب، وبالرغم من تباين ردود الأفعال يقدم العمل نموذجاً استثنائياً يجتهد في طرح إجابات .. في زمن يزدحم بالأسئلة.

دبي - أمل الفلاسي