في آسيا، كما في إفريقيا.. تكثر الدول العربية والإسلامية، وترشح منها عادات وتقاليد وأعراف ضاربة في جذورها إلى مئات السنين، هي في صميمها نفحات من ممارسات دينية واجتماعية أصيلة، بزغت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وتناثرت في أصقاع كثيرة، حتى صارت عادات متباينة في الشكل موحدة في المضمون، تخص في قوالبها المتعددة دولاً عربية وإسلامية كثيرة، ولشهر رمضان المبارك النصيب الأوفر منها.

الحال كما يبدو، ينطبق على جمهورية موريتانيا العربية التي تزهو بشعرائها عالمياً، مثلما تبرق بعاداتها وتقاليدها الرمضانية عربياً وإسلامياً.. فالشعب الموريتاني كاملاً يحسب الشهر الفضيل مناسبة دينية مهمة، من الواجب تدعيمها بالعبادات والممارسات الاجتماعية الأصيلة والنبيلة، حيث تظل المساجد الكلمة الأكثر تعبيراً في قاموس رمضان الموريتانيين.ولتسليط الضوء على عادات شعب عربي مسلم خلال شهر رمضان، التقينا الموريتاني عبدالله ولد محمد بلال، الذي يعمل باحثاً اجتماعياً في إحدى المؤسسات الحكومية في أبوظبي، وهو مهتم بالتراث والتاريخ الموريتانيين.

كما هو الحال في جميع الأقطار العربية والإسلامية، يبقى شهر رمضان في موريتانيا موسماً خاصاً ومميزاً، حيث يعيش الجميع أيامه في أجواء احتفالية مفعمة بالمحبة والتسامح والتكافل والاجتهاد في الأعمال الصالحة، ويمكن القول إن الموريتانيين يهتمون بالالتزام والتقيد بتعاليم الدين، لذلك فهم يعتبرون شهر رمضان مناسبة سعيدة تتيح لهم فرصاً حقيقية للمسارعة في الخيرات، وتعويض ما فاتهم في الأيام السابقة، بحسب ما يوضح عبدالله ولد محمد بلال.

ويضيف ان الموريتانيين يحرصون على استقبال رمضان بما يليق به من استعدادات تعينهم على صيام نهاره وقيام ليله، فيقبلون على الأسواق لشراء مواد غذائية شتى توافق موائد رمضان، كما ويلمس حرصهم على استغلال فرصة رمضان شهراً للرحمة والمغفرة، من خلال إقبالهم المكثف على المساجد لأداء الصلوات المفروضة وصلاة التراويح، والاستماع إلى الدروس والمحاضرات الدينية.

وفيما يخص المائدة الرمضانية في موريتانيا، يشير عبدالله بلال إلى أن أول ما يتناوله الموريتاني بعد غروب شمس يوم رمضان هو التمر، ثم بعض الشراب، قبل أن يتوجه إلى المسجد لأداء صلاة المغرب.

وتتنوع المشروبات على مائدة الإفطار الموريتانية رغم بساطتها، منها مشروب «الزريق» وهو مزيج من الحليب واللبن الرائب والماء، وهو شراب شعبي ذو نكهة خاصة، ينتشر في مختلف أنحاء موريتانيا، كما توجد مشروبات أخرى كالعصائر والشوربة المكونة من خليط من الخضروات واللحوم، أو من الطحين.

ويضيف عبدالله ولد محمد أن للشاي الأخضر الذي يعد على الطريقة الموريتانية المتميزة، مكانة مهمة على مائدة الإفطار، فبدونه يظل الإفطار ناقصاً بالنسبة للكثيرين هناك، فيما الوجبة الرئيسية في إفطار الموريتانيين، هي تلك المعروفة باسم «أطاجين»، التي يتم تناولها بين المغرب والعشاء، وهي في الغالب مكونة من اللحوم الحمراء والخضروات، إضافة إلى الخبز وبعض الفواكه.

أما السحور الموريتاني، فيظل في إطار وجبة خفيفة، كما يؤكد عبدالله ولد محمد بلال، مشيراً إلى أن عدداً من الفتية المتطوعين يجوبون معظم الشوارع ويقرعون الدفوف، ابتداءً من الساعة الرابعة صباحاً، أي قبل موعد الإمساك بساعة ونصف تقريباً، رغم أن للهواتف النقالة هناك دوراً في إيقاظ المتسحرين، ففي ظاهرة غريبة نسبياً، بادر مؤخراً متطوعون مجهولون يتسمون بالرزانة، كما يبدو من أصواتهم وكلماتهم، في الاتصال بعشرات الأرقام كل ليلة وبشكل عشوائي، لحثهم على القيام للسحور.

ويوضح عبدالله أن أنماط التعاون والتكافل الاجتماعي في المجتمع الموريتاني تتجلى بقوة، حيث ان كثيراً من الموريتانيين يظهرون اهتماماً خاصاً بإعداد موائد كبيرة لإفطار الصائمين، يدعون إليها كل من يلقونه، كما يبعث كثير من الأسر المجاورة للمساجد بأواني تحمل صنوفاً مختلفة من وجبات الإفطار، ليفطر عليها الصائمون المتواجدون في المسجد وقت أذان المغرب.

وحول الأجواء التقليدية المعاشة، يقول عبدالله ولد محمد بلال، إن السوق الموريتاني يشهد قبل أيام من بداية رمضان زحمة كبيرة، حيث يرتاده معظم ساكني العاصمة لشراء حاجيات رمضان، فعادات الموريتانيين تقتضي التركيز على اللحم والخضروات التي يكثرون من استخدامها في وجبة الإفطار.

ويلفت إلى أنه وخلال شهر رمضان من كل عام، تقوم السلطات الرسمية في موريتانيا بحملة لمساعدة السكان من خلال فتح عشرات المحال التجارية التي تبيع بضائع مدعومة من قبل الدولة؛ وذلك لتخفيف وطأة ارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية مع إطلالة الشهر الكريم من كل عام.

ويضيف ان وزارة الإعلام الموريتانية تتولى تنظيم سلسلة برامج دينية للإفتاء والوعظ، يشارك فيها علماء وأئمة ودعاة معروفون، ويتعهد أئمة المساجد في مختلف أرجاء موريتانيا بختم القرآن في صلوات التراويح، فيما تقوم وزارة الشؤون الإسلامية بتنظيم إفطارات للصائمين، ويشمل ذلك تقديم وجبات الإفطار وتوزيع المواد الغذائية الأساسية لإفطار الصائم على المساجد والمدارس القرآنية في نواكشوط وفي الولايات الداخلية، وتستفيد من هذه المبادرة آلاف المساجد والمدارس القرآنية في نواكشوط والمحافظات الأخرى.

ولأن موريتانيا هي بلد الشعراء، يؤكد عبدالله ولد محمد أن الأمسيات الشعرية الرمضانية في مختلف أنحاء البلاد تُعنى بتقديم شعر المديح للرسول صلى الله عليه وسلم، والوعظ والإرشاد، إضافة إلى توجيه الجمهور نحو الممارسات الدينية والاجتماعية الحميدة.

وضمن العادات المختلفة نسبياً، يمارس الموريتانيون تقاليد أخرى خلال الشهر الكريم، حيث يحلقون رؤوسهم، ويقرأون القرآن على البنات من أجل الزواج، ويكثرون من شرب الشاي الموريتاني الأخضر والمنعنع، ولهم عادات وتقاليد أخرى مختلفة ومتنوعة، فيما تتعدد مظاهر التكافل الاجتماعي وأعمال البر في المجتمع الموريتاني خلال الشهر الكريم، ولا متسع لحصر تلك المظاهر، طالما أن الشهر الفضيل يعني للموريتانيين الشعور المطلق مع الآخرين.

دبي ـ عنان كتانة