«المجالس مدارس»، جملة أخذت قوة المثل بين الناس لما حملته من معان عميقة عرفها الأولون واعتمدوها سلوكاً في مجتمعهم، فحوارات المجالس وطرق تصرف الناس فيها تمثل مدرسة اجتماعية يتعلم منها الكبير والصغير، فكل حكاية أو مثل أو موقف يحصل أثناء تجمعات الناس يمثل رسالة حكمة ينهل الشباب منها.

وفي مجالس الشواب والحديث معهم يمكن أن نحظى بحكايات وقصص ونكتشف شخصيات فريدة من نوعها قد لا نعرفها ما لم نجالسها ونسمع منها، ونرى كيف تتصرف، ففي كل حوار يدور وكل مجلس يجمعنا وآخرين نتعلم خبرات جديدة ونطلع على حكايات يمكن أن تكون ثروة ننقلها إلى الآخرين بفرح العارف بما يمتلك.وفي مجلس جمعية دبا للثقافة والفنون والمسرح اجتمع شوب المنطقة ليعود إلى ذكريات الماضي وحكاياته الجميلة فكان مجلسا عامرا بأخبار البحر والبر والزراعة والسفر والحكايات والأمثال، وكان الرجال يتركون الكلام لأكبرهم سنا احتراما لخبرته وعمره لذا بدأت الأحاديث مع الوالد سليمان بن حسن الحساني الذي تميز بقدرة مميزة على القص وحفظ الأشعار والحكايات والتنقل بين موضوع وآخر بطرافة وذكاء تجعل من حديثة متعة لا تمل.

فما أن سألناه عن عمره حتى بادر قائلا: كان عمري عشرين عاما يوم جاء الانجليز هنا وصاروا يعطون الناس شاي وسكر و«خلاقين»، ولا أدري كم عمري اليوم لكني حصلت على (الليسانس)؛ إجازة قيادة السيارة، عام 1971 .وقد ذهبت الى الفجيرة لأقدم (تراي)، ولم أكن أعرف شيئاً عن قيادة السيارات، وخرج معي اثنان من المراقبين أحدهم كان راعي نخل، والآخر راعي بحر، ووقتها لم أكن أعرف القيادة، فلم يعطوني الليسن، ورسبت باثنتي عشرة نقطة من أصل أربع عشرة، فسرت إلى الضابط ونازعته، وقلت له كيف ترسل معي مراقبين لا يعرفون شيئا عن قيادة السيارة فهم لا يعرفون غير البحر والرطب، وبعد محاولات اقناع وافق على منحي (ليسن خصوصي)، ولكني عدت إليه في اليوم الثاني وأبدلته إلى عمومي مع أني لم أكن أعرف كيف أرجع السيارة إلى الوراء، لكن الأمور سهلة آنذاك وكنت محبا لقيادة السيارة فتعلمتها وصرت أتاجر بالسيارات، وقد أدركت أن لسان المرء وطريقة تعامله مع الآخرين هي التي تمكنه من النجاح في حياته وتجعل الناس تقف إلى جانبه.

وحين تذكر الحكايات القديمة تجد الحساني حافظا ذا ذاكرة قوية، فقد أنشد قصيدة طويلة تحكي قصة عاطفية قديمة عن ابن العقيلي وحبه لمي يقول فيها: اضرب الأمثال في ديار الأجاويدـ عن يادل تخاطب واسحب ثيابه ـ ما ريت منه الا الكف والايد)، حيث يسهب الشاعر في وصف حبيبته ويمرض بسببها إلى أن يجد طرقة يصل إليها، ويتحمل المصاعب حتى يتزوج حبيته، وهي حكاية من الموروث الشعبي تحوي تفاصيل كثيرة.

وتلك القصيدة التي يرويها الحساني تدل على اهتمام الناس في الماضي بالأشعار والحكمة وتبادل القصائد التي تحفظ على السماع، إذ إن الثقافة الشفاهية لا تحتاج إلا إلى ذاكرة قوية قادرة على اختزان المعارف ونقلها، وهو أمر لا يقتصر على شخص واحد؛ فلو عدنا إلى رجال الماضي لوجدنا أن رواية الأشعار هي سمة المجالس التي يحرص عليها الناس كونها جزءا حيويا من ثقافتهم العربية.

وحفظ الاشعار ليس مقتصرا على الرجال فمجالس النساء مدارس أخرى تحيي ذكريات الماضي، وتتميز فيه المرأة المتحدثة، ففي مجلس نادي سيدات الشارقة فرع الذيد كانت النساء تشجع أم عبد الله لتطلق لنا الامثال والعبر لذا فهي تبدأ حديثها بوجبة صحبة الاخيار مستشهدة بأبيات شعر تقول: من رابع العدلات عدل مايلة ـ ومن رابع العوقين يابلنا الفضايح، وهي تسترسل بذكر الأشعار التي تدل على الرحمة، وعلى قوانين الحياة الاجتماعية، فتذكر أن الناس تبحث عن الأصل الطيب في اختيار الزوجة، تقول: بنت النذل ما تنوخذ لو تجي رحيمة في الشباب ـ يصبح ولدها في المحن راقد ولا يعطي جواب ـ يصبح يدفي مرقده ويقول ربعتهم عذاب.

وتتذكر عفراء الكتبي أيام الاعراس والافراح وكيف كانوا يتبادلون أشعار المديح والتهنية فقالت: حي فريج ياناـ على ظهور شد الهين ـ كلهم من لابة وحدة ـ يونه ظافرين.

ونجد في بعض المجالس أشخاصاً يتميزون بثقافة موسوعية جميلة فابن ضاوي يمكن أن يتحدث عن تاريخ العملات القديمة في الامارات وكثير من التفاصيل الممتعة عن الماضي.

حيث قال: كان الناس يتعاملون بالروبية الهندية وقبلها الريال الفرنسي، ثم جاءت الروبية الفرنسية ثم (الورشو)، وهي عملة هندية وبعدها استبدلت بالدينار البحريني، أما أول سيارة دخلت رأس الخيمة فكانت للشيخ سلطان بن سالم، وهي من نوع (كمنتي) وبعدها جاءت سيارة موريس ودودج وفورد، وكانت أول سيارة في الحويلات برأس الخيمة هي لعبد الرضا بن خميس، وفي الخمسينات كانت السيارة تسير والرجال يزيحون الحصا من طريقها، ونجد في تلك الثقافة الموسوعية طريقة عربية قديمة تعتمد على فكرة الأخذ من كل علم بطرف.

وكانت جلسات السمر العادية التي يتناول فيها الناس قهوة الصباح أو المساء فرصة لقنص المعلومات والحصول على الحكايات والطرائف والأمثال، لأنها تمثل زاد الجلسات والعنصر الأساس الذي يجعل من تلك المجالس ذات فائدة ومعنى، وقد تعود الناس أن يربطوا الحكمة بحكاية شعبية يستطيعون عن طريقها تثبيت الحكمة وترسيخها في أذهان الأجيال الجديدة لأن الحكاية بتفاصيلها المشوقة تبقى أكثر رسوخا وحضورا من اطلاق المثل أو الحكمة مجردة، لذا ظهرت عبارات خاصة تدل على الغرض من الحكاية مثل (هنا مربط الفرس).

وتؤكد تلك الحكايات على قيم أخلاقية مهمة كالصدق والامانة واحترام الناس والمروءة والنخوة، حيث يحرص الناس في مجالسهم على تقديم القدوة الحسنة للأبناء فهم مقتنعون بان مجالس الرجال هي مدرسة مجانية للشباب تدخلهم مداخل الرجال، وتبني فيهم قوة الشخصية والثقة بالنفس، وقد كان الآباء يحرصون على إحضار أولادهم إلى مجالس الرجال ليتعلموا أصول السلام وطرق الحديث مع الناس والتصرف السليم في المجتمع، فهم أبناء المجتمع وعليهم أن يعرفوا عاداته وتقاليده وقيمه.

دبي ـ دلال جويد