تحتل دراما الجاسوسية أهمية كبيرة عند المشاهد العربي، فإلى جانب ما تكشفه من أحداثٍ مثيرة وحقيقية وقعت بالفعل؛ فإنها توقظ روح الوطنية والانتماء عند الشعوب العربية. والمتابع للدراما العربية خلال شهر رمضان، يلحظ العودة القوية لهذه النوعية من الدراما بعد غياب طويل، فما بين الدراما المصرية ونظيرتها السورية خرجت دراما الجاسوسية بعملين، الأول مصري بعنوان «حرب الجواسيس» لمنة شلبي وهشام سليم، والثاني سوري بعنوان «رجال الحسم» لباسل الخياط ومايا نصري، وكلا العملين يحملان من الإثارة والتشويق ما يجذب الجمهور إليهما.
وبقراءة سريعة في أحداث العملين، نجد أن «حرب الجواسيس» قد تركزت أحداثه حول العميلة «سامية فهمي» وهو من الأعمال المأخوذة من ملفات المخابرات المصرية، وكتب قصته الراحل صالح مرسي، وتدور أحداثه في إطار من التشويق والإثارة، فسامية فهمي التي تجسدها منة شلبي هي فتاة جامعية تعمل بعد تخرجها صحافية، وتعيش قصة حب مع زميل لها «شريف سلامة» الذي يمتلك طموحاً كبيراً لتحقيق ثروة كبيرة، فيسافر إلى إيطاليا، وهناك يحاول جهاز الموساد الإسرائيلي تجنيده، وينجح في ذلك.
ومن جانبه يحاول خطيبها أن يجندها، لكنها ترفض وتبلغ جهاز المخابرات المصرية، وقد جسد الشخصيات الرئيسية في العمل كل من هشام سليم وشريف سلامة ورانيا يوسف وباسم ياخور، واللافت أن المسلسل يستحوذ على اهتمام كبير من المشاهد العربي، كونه يرصد البطولات والخيانات ليتعلم منها الشباب عدم الانسياق وراء الأفكار الصهيونية، وبالتالي فالعمل ذو هدف سام ورسالة جلية واضحة، وقد ساعد المسلسل على تحقيق هذا النجاح الجماهيري عرضه على عدد كبير من القنوات منها «الحياة، أبوظبي، المستقبل، الفضائية المصرية، نايل دراما، الأولى الأرضية، art».
أما مسلسل «رجال الحسم» فتعود به أيضاً الدراما السورية بعد غياب ظلت فيه تنافس على مستوى الدراما التاريخية، وهو عمل يتناول أيضاً قصة حقيقية مأخوذة من ملفات المخابرات، وتدور أحداثه حول فتاة ذكية للغاية تدعى ميراج، تجسد شخصيتها «مايا نصري» ما يجعلها تحتل مكانة مرموقة لدى الموساد الإسرائيلي، وتقوم بالكثير من عمليات الاغتيالات في لبنان قبل أن تتعرف إلى شاب لبناني يوهمها بحبه، ويتخذها سبيلاً لدخول إسرائيل والانتقام لمقتل عدد من أفراد أسرته على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن الأحداث تقوده إلى اتجاه آخر.
وعلى الرغم مما يحمله العملان من إثارة وتشويق وإقبال جماهيري، إلا أنهما لم يسلما من المقارنة مع أعمال أخرى سابقة عرضتها الدراما العربية، لعل أهمها المسلسل الشهير «رأفت الهجان» الذي قام ببطولته الفنان محمود عبدالعزيز، و«دموع في عيون وقحة» لعادل إمام، و«التعلب» لنور الشريف، و«السقوط في بئر سبع» لسعيد صالح، بالإضافة إلى «وادي تيران» لحنان ترك، وإن كان الأخيران لم يحققا النجاح الكبير مقارنة بالأعمال الأخرى.
روح الانتماء
وفيما يرجع عدد من النقاد عودة دراما الجاسوسية إلى مائدة الدراما الرمضانية إلى العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، واستفزازه للكثير من كتّاب الدراما الذين قرروا العودة على إثره إلى كتابة المسلسلات ذات الطابع المخابراتي التي تؤخذ من ملف المخابرات بهدف توعية الأجيال الجديدة بحقيقة الأساليب التي يتبعها العدو الإسرائيلي تجاه الشباب العرب، أكدت الفنانة منة شلبي التي تجسد الشخصية الرئيسية في مسلسل «حرب الجواسيس»، أنه- بعيداً عن آراء النقاد- فإن العمل مكتوب بشكل جيد، ويقدم رسالة واضحة؛ لذلك لم يكن غريباً أن يحقق نجاحاً مبهراً، وهو ما أظهرته الاستطلاعات الأولية لبعض القنوات، حيث أكدت تحقيق العمل لنسبة مشاهدة عالية بين المسلسلات الدرامية هذا العام.
وكشفت منة أن أحد الأسباب التي شجعتها على الاندماج في العمل، هو أنها منذ دخولها الساحة الفنية، وهي تبحث عن دور تجد فيه نفسها كبطلة تؤثر في الجمهور وتذكرها الأجيال على غرار الدور الذي أداه الفنان عادل إمام في مسلسل «دموع في عيون وقحة»، حيث استحوذ العمل على اهتمام الجمهور بمختلف الأعمار، وحرك داخلهم روح الانتماء بعد أن قدم نموذجاً مشرفاً لإنسان تخلى عن حياته ووهب نفسه لخدمة بلده.
وحول شخصية سامية فهمي، أكدت منة شلبي أن الشخصية زاخرة بالحيوية والنشاط، ولديها تطلعات مادية تعشق مهنة الصحافة، وتسعى إلى تحقيق سبق صحافي، فضلاً عن امتلاكها جرأة تمكنها من الاقتراب من كبار الصحافيين، ومواجهة كبار رجال الأعمال والسياسة؛ فتحقق في فترة زمنية قصيرة ما لم تحققه صحافيات كثيرات خلال سنوات طويلة.
أما الجانب الشخصي في حياة سامية فهمي فهي مرتبطة عاطفياً بأحد زملائها الذي يسافر إلى إيطاليا للبحث عن فرصة عمل فينجح جهاز الموساد في تجنيده فتقع في حيرة شديدة بين إغراء العائد المادي الكبير المعروض عليها من منطلق عشقها للنقود وحلمها في الثراء السريع، وبين خيانتها لوطنها، وفي النهاية لا تجد أمامها إلا الذهاب لجهاز المخابرات لإخباره بالقصة الكاملة للخيانة والجاسوسية في إطار درامي يحرك الانتباه ويثير الفضول.

