عندما يأتيهم رمضان، تزهو حياتهم بكثير من الممارسات الخارجة من صميم العقيدة الإسلامية، يتسابقون إلى فعل الخيرات صغر حجمها أو عظم، ويبيتون في قالب من التراحم والتعاضد لم يسبق لهم أن شهدوه، فيما المعالم المرئية تفوق ذلك بكثير، حيث الاحتفالات التقليدية في كل مكان، والأضواء تتغلغل في قلب الأحياء السكنية والمتاجر والمساجد تاركة في النفوس آثاراً يبلغ صداها الجبال وما بعدها.
في أفغانستان الدولة الآسيوية القريبة من دول آسيا كلها، يعيش الناس هناك فرحة لا مثيل لها وهم يستبشرون بقدوم الشهر الفضيل.. كافة أطياف الشعب تتوحد في العادات والتقاليد وربما الممارسات، وتبقى ملامح رمضان في أفغانستان هي الأوفر حظاً في التقارب والشعور مع الآخرين وأداء العبادات على اختلاف أنماطها خلال الشهر المبارك.
وتأكيداً على ما سبق، فقد وصف المؤرخون الشعب الأفغاني بأنه شعب يندر أن تجد غيره من الشعوب الإسلامية قد تأثر بالإسلام قدر تأثره، حتى قيل ان سمات الدين تصبغ حياة الأفغاني كلها، منذ ولادته وحتى مماته، والأفغاني أيضاً يتعصب لدينه، ويتفانى فيه، ويؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة، ولحكاية الأفغاني مع رمضان ميزات أخرى كثيرة نترك للمواطنين الأفغان المقيمين في الدولة روايتها كما هي، لتجسيدها واقعاً على صفحات «الحواس الخمس»، ضمن عادات الشعوب الإسلامية في الشهر الكريم.
شاه محمد جان محمد، شاب أفغاني يعمل في مخبز المحراب في الشارقة، يقول إن تركيبة الشعب الأفغاني تجعل من شهر رمضان هناك مختلفاً عن غيره، إذا ما قورن استقبالهم للشهر الكريم باستقبال المسلمين على مستوى العالم الإسلامي لرمضان، فهو شهر له مذاق خاص، ومكانة في قلوب الأفغان جميعاً، الذين يجعلون منه شهراً مختلفاً في الطعام والعبادة، فقبل قدوم رمضان يتسابق الجميع إلى الأسواق لشراء حاجاتهم ومستلزماتهم الضرورية، وقبل دخول رمضان بيوم واحد يجتمع الأهالي في ساحات المساجد ويتناولون إفطاراً جماعياً، هو نوع من الترحيب بشهر رمضان المبارك، في حين أن اليوم الأول من رمضان أفغانستان يكون إجازة رسمية على مستوى البلاد.
ويضيف انه وفي ذلك التقليد الفريد، فإن الرجال يجتمعون قبل أذان المغرب بنصف ساعة في ساحات المساجد من أجل الإفطار الجماعي، وذلك بالتأكيد له مميزات وفوائد عدة، منها خلق روح المحبة والمودة والتآلف في قلوب الشعب الأفغاني، بالإضافة إلى أن ذلك السلوك يكشف بطريقة مبطنة من لا يقدر على توفير طعام الإفطار لنفسه ولأسرته، وتكون تلك المناسبة فرصة له للإفطار دون حرج، ومن ثم معرفة الأسر المحتاجة ومساعدتها، في حين أن النساء يفطرن في بيوتهن مع أولادهن، وبالنسبة لإفطار الرجال فإنه يعد من جميع البيوت ويجلب لتناوله جماعياً.
وبخصوص الإفطار الجماعي في المساجد، يؤكد شاه محمد أنه وعلى الرغم من أنه ظل من العادات الرمضانية التي عرفها الشعب الأفغاني لسنين عديدة، إلا أنه بدأ في الانحسار في المدن الأفغانية خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار وجوده في القرى، وإن لم يعد مثلما كان في الماضي، لضعف الأواصر الاجتماعية بين الناس، ففي السابق لم يكن يتصور أن يكون الرجل في القرية ولا يفطر في المسجد، حيث يتجمع رجال القرية في مسجدها ويفطرون معاً على ما يحضرون من طعام للإفطار، يتكون في الغالب من السبانخ أو البطاطس، إضافة إلى العصير إذا كان رمضان في الصيف.
وبحسب ما يؤكد زميله الأفغاني نصر الدين ولي رحم الدين فإنه في وقت الإفطار بالقرى الأفغانية، يتجمع الأطفال في مكان فسيح خارج القرية قبيل أذان المغرب، ومع كل واحد منهم شيئاً من الطعام يحضره من بيته، منتظرين أذان المغرب تشبهاً بالصائمين.
ومما يلحظ في رمضان أفغانستان، فإن الأفغانيين كما يضيف نصر الدين، يستمرون بعد الإفطار في المساجد، يصلُّون المغرب وينتظرون العشاء والتراويح، حيث يظل المسجد في مقدمة المظاهر الرمضانية الراسخة هناك، فالإقبال على المساجد يكون كثيفاً خلال الشهر الفضيل، والسبب أن الناس في الشهور الأخرى يصلون فرادى في حقولهم أو أماكن عملهم.
وفي تقليد آخر أفغاني مختلف ويختص بالشهر الكريم، فإن الجميع هناك يتسحرون في وقت مبكر من الليل، وينامون بعد السحور للاستيقاظ وقت صلاة الفجر، ولا يلتزمون بنظام معين للاستيقاظ للسحور أو للصلاة، بل يستيقظون بأنفسهم، إلا في بعض المناطق التي توجد مكبرات الصوت في مساجدها، حيث تكون مهمة إمام أو خادم المسجد إيقاظ الناس بتلاوة ما يتيسر من القرآن الكريم، أو قراءة بعض مدائح النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلقاء موعظة، بحسب ما يوضح نصر الدين ولي.
ويضيف أن غالبية الناس في أفغانستان يتناولون وجبة كاملة في السحور عن طريق الطبخ بما فيها الأرز واللحم والدجاج، وفي الغالب يخبزون في الليل للسحور خصيصاً، ويعتبر الشاي الأخضر جزءاً لازماً للسحور، مثل باقي الوجبات والأكلات الأفغانية التقليدية.
وكما يرى الأفغانيون أنفسهم فإن الشهر الفضيل في أفغانستان، يعد موسماً مثالياً لتحفيظ القرآن الكريم، عن طريق دورات حفظ وتدارس القرآن، التي تبدأ مع انتصاف شهر شعبان، وحتى نهاية رمضان، ويتولى المشايخ تدريس تفسير القرآن الكريم باللغات المحلية، حيث تعتبر العائلات الأفغانية شهر الصوم مناسبة بالغة الإيجابية، لذلك فهم يحرصون على إلحاق أبنائها بهذه الدورات.
وعلى الرغم من أن حفظة القرآن من الأفغانيين كانوا يحرصون في فترة الجهاد ضد القوات السوفييتية على ختم القرآن في صلاة التراويح في ليلتين أو ثلاث ليال، وكانت تعقد حفلة في كل ختمة، إلا أنه في الواقع الحالي صاروا يختمون القرآن في 10 ليالي خلال صلاة التراويح، وفي كثير من المساجد يُقرأ جزء واحد فقط في كل صلاة، وفي أضعف الأحوال فهو عدد ربما يفوق أي دولة إسلامية أخرى.
ويؤكد شاه محمد الأفغاني أنه وعندما تقترب أيام رمضان من الانتهاء، يبدأ المعتكفون في المساجد بتكثيف عباداتهم، بقيام الليل وغير ذلك من الصلاة والدعاء وقراءة القرآن، ويحذو الكثير من الناس حذوهم خلال تلك الأيام المباركة، وخاصة في ليلة القدر.
ولصلاة التراويح عند الأفغانيين مكانة خاصة، فهي مكملة للصيام ولا يرون فائدة في صيامهم إن لم يصلوا التراويح، ولأهميتها فلا بد أن يوكل أمرها لإمام محترف «ملا». ولا تجد بيتاً في أفغانستان يخلو من مصحف يُلف في قطعة من الحرير أو المخمل المطرز، ويوضع في مكان عالٍ حتى لا يعبث به عابث، حيث يبجله الجميع تبجيلاً قل أن تجد مثله في بلاد أخرى.
الدولة: أفغانستان
العاصمة: كابول
السكان: 34 مليون نسمة
أفغانستان
تقع أفغانستان وسط آسيا، وتعد من دول الشرق الأوسط، تجاورها عدة دول من اتجاهاتها المختلفة، منها إيران والصين وباكستان وأوزبكستان وتركمانستان وطاجكستان. من أهم من أنجبتهم بلاد الأفغان، الإمام أبو حنيفة النعمان، والإمام جمال الدين الأفغاني، والقائد محمود الغزنوي، والقائد بابر.
تمتاز أفغانستان بمجموعة من البيئات الطبيعية، منها الجبلية والصحراوية والسهول والوديان الخصبة، أما مناخها فهو قاري قاسي شتاءً ودافئ صيفاً.
فتوحات
يعود تاريخ الفتح الإسلامي لبلاد الأفغان، إلى عهد الخليفة الثاني الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك عندما دخل الأحنف بن قيس تلك البلاد في العام 18 هجري، ثم فُتحت «بلخ» في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكذلك «غزنة»، أما كابول فقد فُتحت في عهد بني أمية، وقد ظل الإسلام عريقاً في تلك البلاد حتى أن كابول دخلها الإسلام قبل أن يصلها الفتح الإسلامي، وخلاصة القول فإن الإسلام أشرق بنوره على تلك البلاد منذ أكثر من أربعة عشر قرناً.
مساعدات
المناسبة: شهر الصوم
الواقع: تعاون وتعاضد
العطلة: اليوم الأول
يؤكد شاه محمد أن مؤسسات الإغاثة والتنمية غير الحكومية، والمؤسسات الخيرية في أفغانستان، تتولى مهمة توزيع سلة رمضان الغذائية على آلاف العائلات الأفغانية في كل عام، علاوة على توزيع الملابس الجديدة كهدية العيد على الأطفال من العائلات المعوزة، حيث تحصل كل عائلة على ملابس جديدة وأقمشة تكفي لصنع أربعة أثواب. ويحتفي الناس في أفغانستان بقدوم الشهر الكريم كغيرهم من المسلمين، ولهم من مظاهر الاحتفاء ما لم يكن في مكان آخر، مثل اعتبار اليوم الأول من رمضان عطلة رسمية في جميع أنحاء البلاد، حتى إن مكاتب الأمم المتحدة ومنظماتها والسفارات الأجنبية تعطل في ذلك اليوم.
دبي ـ عنان كتانة


