للجبال أسرار وحكايات لا يعرفها كثير منا، فهي تعطي حلاوتها لمن يتحمل الصعاب ويرتقي صخورها صخرة صخرة، والعسل هو أحد تلك الأسرار الحلوة التي عرفها أبناء الجبال في الماضي فاتخذوا منها حرفة مليئة بالمصاعب والجمال، فهم يدورون بين الكهوف والأشجار والصخور بحثاً عن خلية هنا أو هناك.
وجني العسل مهنة معروفة عند الناس في الماضي حين كانت الطبيعة أكثر اخضراراً والأمطار تجود بغزارة، فقد كانت جرار الشهد بضاعة ابن الجبل لأهل الساحل يقايضها بما عندهم من أسماك وقهوة وسكر، وكانت رحلات جني العسل تحتاج إلى خبرة ودراية بالطرق الجبلية وتتبع النحل نحو ممالكه، يقول علي سليمان الحبسي: في الماضي كنا ندور في الجبال بحثاً عن العسل وقد كان الناس يستخدمون طرقاً عدة لمعرفة أماكن العسل، حسب خبرة العسال، منها متابعة اتجاه (الذباب) أي النحل لنعرف أماكن الخلايا عن طريقة (الشعة) وهي طريقة ينضع فيها الرجل يده أمام جبينه بمقابلة أشعة الشمس فيرى أسراب النحل ويتابعه، وهناك طريقة أخرى هي بمتابعة قطرات العسل التي تتساقط من النحل فيتبعها الرجل حتى يصل إلى الخلية، وهناك أشخاص يقفون عند موارد المياه بانتظار النحل فيتبعونه بعد ذلك، وكل تلك الطرق تحتاج الى خبرة ودراية بطرق الجبال والكهوف، وحتى السيوح وكذلك وحياة النحل، وكيفية التعامل مع الخلية.
وقد كان للحياة الفطرية والطبيعة احترام كبير بين أبناء الجبال فهم يحرصون على عدم تدمير ممالك النحل وخلايا العسل مستخدمين طرقاً خاصة في حمايته، يقول الحبسي: حين نصل إلى الخلية نحاول إبعاد (الذباب) غصناً عنه، وهناك من يستخدم الدخان المتصاعد من بعض الأغصان الجافة، ونقوم بقص الخلية إلى نصفين تسمى القاعدة الضرع، والجزء الأعلى أي قمة الخلية يسمى (السلعة)، ونحن نأخذ الضرع فقط لأن السلعة تحمل بيض النحل وملكتها، فنعيدها إلى موقع الخلية ليعود النحل إلى مكانه، وتبنى الخلية من جديد، فالعسل يكون موجوداً في الضرع ولا فائدة بإيذاء السلعة وقتل البيض، وكان الرجل يحمل معه جراباً من الجلد يشبه القربة يسمى (بابيه) يضع فيه العسل الذي يجمعه، وحين يعود إلى بيته يبدأ بتصفيته من الشمع باستخدام قطعة قماش مخرمة تسمى (الميدة) للحصول على العسل صافياً من أجل بيعه في أسواق الساحل.
ويتحمل العسالون لدغات النحل بصبر وهدوء وهم يرون فيها علاجاً وحماية من الأمراض، وهو أمر حقيقي اثبتته الدراسات الطبية الحديثة حيث وجد أن لدغات النحل تعطي حماية من الحمى الروماتيزمية وتساعد في علاج التهاب المفاصل وتصلب الأنسجة، الأمر الذي يدل على أن تراكم التجارب وفرت لأبناء الماضي خبرة في علاج الأمراض والتغلب عليها بعيداً عن غرف العمليات وتقنيات الطب الحديث، بل صرنا نجد أن التجارب الطبية بدأت بالعودة إلى بعض العلاجات القديمة، وقد ظهر الآن نوع من العلاج يعتمد على سم النحل.
واستخدم الناس في الماضي العسل لعلاج أمراض البطن والعيون، إضافة إلى كونه طعاماً رئيسياً في حياتهم اليومية، وقد كان منهم من يشربه كما يشرب الماء، فيذكر خميس سالم: في الماضي كان الناس يمتلكون صحة، وقوة كبيرة لا نجدها في شباب اليوم فقد كان بعض الرجال يشربون العسل أو السمن كما يشربون الماء ولا يؤثر الأمر فيهم لأنهم يصعدون الجبال كل يوم ويعملون منذ مطلع الفجر ولا يعرفون السهر أو الأشياء المضرة بصحتهم كالأطعمة المجمدة أو المعلبة.
وقد كانت هناك أعراف خاصة تعارف عليها الناس في الحصول على العسل أو اختيار خلايا النحل، يقول عمر علوان الحبسي: كان الناس يبحثون عن العسل في مناطقهم الجبلية فاذا وجد أحدهم خلية لم تكتمل بعد وضع عليها علامة يثبتها الى جانب الخلية ليعرف من يأتي من بعده أن تلك الخلية له، وكان الناس يحترمون تلك العلامات فلا أحد يتجاوز عليها ويعدونها من باب الأمانة واحترام الممتلكات ولم يحدث خلاف قط حول خلية نحل تجاوز عليها أحد.
وللعسل مواسم مختلفة يعرفها متابعو العسل، ومن احترفوا مهنة جني العسل إذ إنه يعتمد على أشجار الجبال المعروفة في الإمارات، يقول سعيد محمد سالم: هناك ثلاثة مواسم للنحل هي موسم «عسل البرم» أي عسل أشجار السمر، وعسل «اليبياب» وعسل «زعر» أي عسل الاعشاب والزهور، وهذه المواسم تختلف ولها أوقات معلومة فعسل السمر، وموسمنا المقبل هو موسم اليبياب أي السدر الذي يبدأ من بداية أكتوبر وحتى نهاية نوفمبر، ويكون لونه أبيض شفافاً مائلاً الى الصفرة وهو من أغلى أنواع العسل لندرة وجوده بسب غذاء النحل على أشجار السدر الجبلية، أما موسم عسل البرم أو السمر فيكون منذ بداية مايو حتى نهاية يونيو، ويكون لون العسل داكناً مائلاً إلى السواد، وقد كان متوفراً بكثرة في الإمارات ويكون طعمه أكثر قوة من عسل السدر.
ويعتقد الناس أنه أكثر جودة، بينما يكون عسل الأعشاب موجوداً في موسم الشتاء مع تساقط الأمطار وتكاثر الزهور والأعشاب وهو أرخص من الأنواع الباقية، لكني أعتقد أنه أكثر فائدة وصحة لأن النحل يتغذى على أعشاب وزهور مختلفة فيجمع فوائدها كلها، ويكون لون هذا العسل أصفر شفافاً، وقد كان العسل في الماضي متوفراً على مدار العام ويمكن أن نجده قرب بيوتنا، لكن شح الأمطار في السنوات الأخيرة ودخول الكسارات والغبار إلى المناطق الجبلية جعلت النحل يقل بشكل واضح فصار الناس يحصلون على العسل بصعوبة، ونادراً ما يخصصونه للبيع بسبب قلته، فهم يطعمونه لأطفالهم لأنهم متأكدون من جودته وأهميته للصحة.
ويشكو علي سليمان من دخول أنواع مغشوشة من العسل من خارج البلاد، يقول: أصبح الغش في العسل موجوداً بكثرة ومنهم من يدعي أن هذا العسل إماراتي بينما يكون قد جلب من بلدان أخرى، لأن العسل الإماراتي معروف بجودته وبفوائده، وقد ظهر هذا الغش نتيجة لشحة العسل، وعدم الاهتمام بتوفير البيئة المناسبة للنحل وحماية أشجار الجبال من الجفاف والموت، لكننا نميز العسل المغشوش ولا نشتريه.
دبي - دلال جويد

