ونحن نجوب العالمين العربي والإسلامي، لا بد أن نستطلع كثيراً من العادات والتقاليد الرمضانية التي توافق حالة شعب مسلم يحتفل في تلك المناسبة الدينية العزيزة على قلوب الجميع، فرمضان الشهر الجامع في ملامح الخير والبركة، لا يغادر مكاناً يزوره إلا ويترك فيه كثيراً من الملامح التي لا تنسى، وتلك الملامح اتحدت فيما بينها وتجذرت لتمسى تقاليد وأعراف ملصقة بشعوب العالم أجمع، وهي التي يسميها الجميع بملامح رمضانية تغير من سيرة شعب في شهر كريم ومختلف.
دول عربية كثيرة، وأخرى إسلامية تتوزع على قارات العالم أجمع تخصص للشهر الفضيل أبهى مظاهر الاحتفال والتعظيم، وتلك المظاهر تتجلى في الفرد والأسرة والحي والمدينة والدولة عامة، لا سيما وهي تلخص في المجمل حالة رمضانية فريدة، يعرف من خلالها أبناء البلد بثقافتهم ونمط حياتهم.وسعياً منا لتجسيد وحصر تلك الملامح الرمضانية المعبرة، والمفعمة بالحس الإيماني والاجتماعي، كانت لنا وقفة مع رمضان يبدو مختلفاً في عاداته وتقاليده شيئاً ما، وهذه المرة نقف على أعتاب باكستان، التي تزخر بمظاهر رمضانية نابعة من روح دينية سامية، وفي التفاصيل ملامح كثيرة، يجملها لنا محمد فاروق عبدالرحمن باكستاني من كشمير ويسكن في لاهور، وهو مقيم في دولة الإمارات، ويعمل (فورمان) في مجال العقارات.
في البداية يوضح محمد فاروق أن الباكستانيين يستقبلون شهر رمضان بمزيد من الاحترام والجدية والطاعة، وربما المبالغة الملحوظة في الممارسات اليومية في إطار ديني مفعم بالروحانيات، خاصة وأن الباكستانيين بلا استثناء يعتبرون الصيام خلال الشهر الفضيل، فرصة سانحة لتطهير العقل والروح والجسد، وفي تلك الأثناء يحرص الجميع على أداء الصلاة والصيام والقيام بالطاعات المتنوعة.
ويؤكد فاروق أن المسلمين في باكستان يشكلون ما نسبته 97% من مجموع السكان، لذلك فإن الرائي يلمح سريعاً، وبمجرد دخول اليوم الأول من شهر رمضان المبارك، تغيرات شتى في معالم باكستان أكملها، وكل ذلك يأتي احتراماً واحتفالاً بالزائر الكريم، إذ يحرص الجميع في باكستان على إضفاء لمسات دينية واجتماعية إيجابية وهادفة على كل ما يحيط بهم، وتلك تعد جزءاً من ثقافة وتقاليد شعب مسلم يهتم بأداء فريضة هي ركن من أركان الإسلام.
وتبدو أجواء رمضان العامة جلية في الشارع الباكستاني، كما يضيف محمد فاروق، والتي تلمح من خلال الحشمة والحجاب حيث تختفي إطلاقاً ملمح ظهور المرأة من دون حجاب في كل مكان من ذلك البلد، لا سيما وأن من عادة السيدات الباكستانيات تغطية الرأس عند سماع الأذان حتى لو كانت المرأة غير متحجبة في العادة، فغطاء الرأس يصبح أساساً وجامعاً في شهر رمضان.
ويوضح أن أكثر ما يجمع الباكستانيين خلال الشهر، والتي تعد سلوكاً اجتماعياً طيلة أيام الشهر الفضيل، هي موائد الإفطار الجماعية والأسرية، وتلك الموائد إما أن تكون برعاية مؤسسة خيرية تحرص على توزيع وجبات الإفطار المجانية للفقراء في الأحياء الشعبية المختلفة، وفي مساكن طلاب الجامعات أو المدارس الدينية المنتشرة والمرافقة لكل مسجد تقريباً، ومعظم تلاميذها من الطبقة الفقيرة.
كما تتوفر موائد الإفطار في باكستان، عن طريق رعاية أحد الأثرياء لها، وطابع هذا الإفطار يختلف تماماً عما سبق، فمن المعتاد أن يشاهد طابور من الفقراء أمام منزل أحد الأغنياء، وهو يقدم الطعام لكل فرد في كيس صغير يحمله ويتجه به إلى منزله أو مكان عمله في الأسواق الكبيرة، حيث يشرف على عملية الافطار هذه حشم الثري وخدمه، أما الجمعيات الخيرية، فهي تقدم الطعام في المساجد كتقليد دائم في باكستان الدولة التي تضم عشرات الملايين من المسلمين، وعادة ما يفرش الطعام قبيل الأذان، ليتزود منه كل من يؤم المسجد لصلاة المغرب.
ولمائدة الإفطار الباكستانية ما يميزها عن غيرها من الموائد الأخرى في الدول العربية والإسلامية، كما يروي محمد فاروق، وتأخذ طابعاً مختلفاً يمتاز بها الشهر الفضيل، حيث تزدحم محلات الحلويات قبيل الإفطار لتقديم وجبة (الإفطاري) التي تأتي ساخنة، التي عادة لا تصنع في المنزل، وإنما تشتريها الأسر الميسورة جاهزة من المطاعم المتخصصة في طهيها، وتتكون وجبة (الإفطاري) الباكستانية من السمبوسة والباكورة، وهي عبارة عن خليط من البطاطا وطحين الحمص مع التوابل المقلية، والزلابية وهي سكريات متعرجة مقلية بالزيت.
ويضيف أن سلطة الفواكه تعتبر هي الأخرى تقليداً غذائياً رمضانياً في باكستان، تصنع في المنزل، ويقدم معها عصير (روح أفزا) الشعبي بدلاً من الماء، وتكون هذه التشكيلة عمدة مائدة الإفطار في العديد من البيوت الباكستانية.
ومن الأطباق المفضلة على وجبة الإفطار في رمضان طبق (باكورا)، وهي فطيرة حبوب مطحونة مقلية جيداً وتؤكل مع الصلصة الحارة إلى جانب الأطباق والوجبات الخفيفة الأخرى.
وكما يؤكد فإن وقت تناول الإفطار في باكستان لا يتعدى أكثر من خمس دقائق، حيث يتوجه الرجال على الفور لأداء صلاة المغرب جماعة في المسجد، في حين أن وجبة العشاء الرئيسية تكون في العادة بعد صلاة التراويح، حيث يذهب الرجال إلى المساجد لأداء صلاة التراويح التي يحرصون عليها بالمطلق، ثم يعودون لتناول وجبتهم الرئيسية التي تتنوع وفقاً للتقليد الغذائي المتبع في البلد، وما يرشح عنه من أكلات شعبية.
أما السحور في باكستان، فيضم وجبة الطعام الرئيسية، في حين أن وجبة الإفطار على بساطتها تظل مناسبة اجتماعية مفعمة بألوان التقارب والشعور مع الآخرين، وتكاد بعض الأسر لا تجتمع إلا عليها طوال العام، ويدعى إليها الأصدقاء والأقارب.
وتعتبر وجبة العشاء زيادة في الإفطار من قبيل الإكرام، حيث تقدم بعد صلاة المغرب، لكن في الغالب يتم الاقتصار على (الإفطاري)، وجبة الإفطار الأولى، ويتبادل الجيران الإفطار، حيث تشاهد الصحون مع الأطفال قبيل الإفطار فيها حبات من التمر وتشكيلة الإفطار المعتادة، ليعود الصحن في اليوم التالي بالمثل وبدون تكلف، كما يؤكد فاروق.
وللمسحراتي في باكستان دوره الاجتماعي الذي لا يهمل من الذاكرة الرمضانية، حيث يحمل معه الطبلة التقليدية ويجوب الحي منادياً للسحور، فيما يتناوب سكان الحي في تقديم السحور له، ويتقاضى أجره من زكاة الفطر في آخر الشهر الفضيل.
دبي ـ عنان كتانة


