سور الأزبكية الذي يقع في ميدان العتبة بالقرب من محطة مترو الأنفاق في القاهرة يعد من أهم أسواق الكتب في العالم العربي وليس في مصر فحسب، بل أشهرها ،ولا يمكن تغادر وطنك من أي دولة عربية إلى مصر دون أن يلتقيك أحد أصدقائك ويطلب بعض الكتب النادرة والمهمة من سور الأزبكية..
فهذه السوق مخصصة للكتب النادرة جدًا والتي يصل تاريخها إلى أكثر من مائة عام في بعض الأحيان وبالرغم من أن بعض العلماء والمثقفين أطلقوا عليها «جامعة الفقراء» باعتبار أن كل الفئات تجد ما تحتاجه فيها بأسعار زهيدة ولكن هذا السور- أو هذه السوق- يضم أيضا من الكتب والمجلدات النادرة التي يصل سعرها إلى آلاف الجنيهات.وفى شهر رمضان المعظم يزدهر سور الأزبكية ويزيد عليه الإقبال بشكل لافت خاصة من الموظفين والطلاب الذين بمجرد خروجهم من أعمالهم وكلياتهم يهرعون إلى الأزبكية ليقضوا بقية الساعات حتى موعد الإفطار بين أكوام الكتب وممرات الأكشاك بحثا عن الكتب الدينية والمجلدات النادرة ويقضون اغلب الوقت في الاطلاع على الكتب القديمة التي وصلت حديثا إلى الأزبكية ، وهؤلاء يعدون زبائن دائمين وكثيرا ما يطلبون كتب قديمة غير موجودة بالسور وفى اليوم التالي يكونوا قد وفروها لهم، وبعض هؤلاء الزبائن غالبا ما يغافلهم الزمن ويتناولون إفطار رمضان مع أصحاب مكتبات الأزبكية.
وهذا السور يزيد عمره على المائة عام، وقد تم إنشاؤه بعد أن قام خديوي مصر بإنشاء حديقة الأزبكية الشهيرة التي تصل مساحتها إلى 20 فدانًا، وأقيم عليها مسرح معروف وتاريخي يقدم فيه كبار الفنانين والمبدعين أعمالهم، وظلت المنطقة شامخة بسورها الحديدي الذي لا يمكن لعامة الشعب الاقتراب منه، حتى جاءت ثورة 23 يوليو وتم هدم السور وأصبح متاحًا للجميع التمتع بالمكان وتحول أيضًا إلى مكتبات ثقافية ثم تطورت حتى أصبحت وكأنها معرض مفتوح للكتاب.
كتب نادرة وقديمة
وما ميز سور الأزبكية مع مرور الزمن هو اتجاه الباعة به لاستجلاب الكتب النادرة والقديمة التي يشترونها من درب «الجماميز» ومكتبات دار السعادة، أيضا كان الباعة يمتد نشاطهم خارج السور خاصة في ساعة القيلولة وهدوء حركة الناس، وكانوا ينتشرون في ميدان الأوبرا تحت الأشجار ليستريحوا ويفترشوا كتبهم حتى أصبح المكان سوقا ممتدة لسور الأزبكية خاصة شارع حميد سيف النصر الذي يقع بين حديقة الأزبكية والأوبرا.
ولكنهم في النهاية وبعد مطاردات السلطات لهم في تلك الشوارع القريبة من الأوبرا الملكية استقروا جميعًا على سور الأزبكية وهناك أيضًا تمت ملاحقتهم ولكنهم لم يتنازلوا وتحملوا كل المضايقات التي وصلت إلى أن تقوم السلطات برشهم بخراطيم المياه من سيارات الإطفاء حتى يتركوا سور الأزبكية فرفضوا، وعلى ضوء هذا الإصرار أصدر رئيس الوزراء وقتها مصطفى النحاس قرارًا ببقائهم على السور وصدق لهم بتراخيص لبيع الكتب.
ورغم انتعاش تجارة الكتب في سور الأزبكية وفي كل الظروف فإنه تعرض لهجمات أخرى هذه المرة لم تكن من السلطات أو شرطة المرافق، لكنه هجوم مباغت من الباعة المتجولين الذين وجدوا في إقبال المثقفين والطلاب على السور بشكل كبير ضالتهم فافترشوا بضائعهم أمام تلك الأكشاك حيث امتلأت الساحة أمام السور بالأحذية والحقائب والملابس الجاهزة والأدوات المنزلية والكهربائية الصغيرة وغيرها وأصبح الوصول إلى أكشاك سور الأزبكية التي يصل عددها إلى 180 مكتبة يحتاج إلى جهد وافر وهي نفسها تلك المكتبات أصبحت تعاني من حالة متردية جدًا.
ولكن مع التطوير المستمر في تلك المنطقة التي يقع فيها سور الأزبكية تم نقل الأكشاك للجزء الخلفي من الحديقة التاريخية ولكنها أيضًا لم تسلم من الباعة الجائلين المستفيدين من زحمة ميدان العتبة والقادمين عبر مترو الأنفاق فأوجدوا لهم أماكن أيضًا أمام الأكشاك وهي مهن هامشية لبائعين متجولين لا علاقة لهم بالكتب ولا الثقافة، ورغم من أن هذه الأكشاك لا تجد الاهتمام من السلطات فإنها تضم كنوزا معرفية من الكتب القديمة والنادرة.
أكشاك تاريخية
وقد أرجع كثير من المهتمين بالثقافة والفكر في مصر الإهمال الذي تعاني منه تلك الأكشاك التاريخية إلى تبعيتها لمحافظة القاهرة مثلها مثل محلات الفول والطعمية والأحذية والملابس وغيرها، وأشاروا إلى أن وزارة الثقافة المصرية لم تحاول الإشراف عليها رغم أنها أكشاك تجمع تراثا تاريخيا عظيما.
القاهرة - دار الإعلام العربية

