يمتاز شهر رمضان بكونه مناسبة دينية عامرة لأهل الأرض أينما وجدوا، فهو شهر الكرم والبركات، فيه تتوحد جموع المسلمين في الدعاء والعبادات، وتتزاحم على أبوابه أسمى الصور الإنسانية والكل يتسابق نحو فعل الخيرات.. ولا يختلف إثنان على أن لرمضان حساً وروحاً تبقى حية في نفوس المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
وفي المغرب العربي لا تقل روحانيات الشهر الفضيل أهمية عما هي في دول الخليج العربي وبلاد الشام، بل تجد هناك ملامح أخرى تبدو أكثر إثارة وجمالاً، بها يتميز المجتمع المغاربي، ومعها يحفظ لنفسه كياناً خاصاً يظل جزءاً لا يتجزأ من تقاليد معاشة في ظلال مناسبة دينية تبدو كريمة إلى أبعد حد.شهر رمضان المبارك في تونس الخضراء، ربما يزداد تألقاً بجمال تونس وخضرتها البهية.. وفي ذلك البلد المسلم يعيش الجميع ملامح رمضانية متنوعة، أبعادها غزيرة وأجواؤها مثيرة.. وللمزيد؛ نترك للسطور التالية حديثها الرمضاني على لسان المواطنة التونسية سارة عبدالحميد، وهي تونسية تقيم في الإمارات منذ سنوات عدة.. ومع عائلتها فهي تغوص في كل رمضان بروحانيات تسمو وتتصل، رغم البعد والغربة، بدفء الأهل وجمال المكان في تونس الخضراء.
كما توضح سارة فقد اعتاد التونسيون أن يستعدوا لاستقبال شهر رمضان قبل فترة طويلة من قدومه، وذلك من الناحيتين المادية والدينية، فرب الأسرة يبدأ في تدبر الميزانية مسبقاً، أما الأم فتنشغل بترتيب وتنظيف المنزل فرحاً بقدوم ضيف جديد، وتصر ربات البيوت على شراء أواني الطبخ وتغيير بعض أثاث البيت، إذا سمحت ظروفهم المادية، وفي المجمل يحظى شهر رمضان المبارك بمكانة خاصة عند التونسيين، إذ تستعد له مختلف الأسر الفقيرة والغنية على حد السواء قبل أيام من حلوله في أجواء احتفالية.
ومن العادات المتوارثة التى تواكب الشهر الكريم منذ ليلة دخوله، التي يطلق عليها في تونس «ليلة القَرش» لأن كثيراً من التونسيات يبدأن في إعداد الحلويات الخاصة بالشهر الفضيل منذ حلوله.
ولعل من أبرز الملامح الاجتماعية التي تميز رمضان عن غيره من الشهور الأخرى في تونس، بحسب ما ترى سارة عبدالحميد، هي الأجواء التي تثيرها لقاءات العائلة والأحبة والأصدقاء أثناء الإفطار وبعده، وما يتبعها من جلسات تسامر ومرح.
ويمارس كل إنسان في تونس عمله بصفة عادية، فبعد العمل يذهب الأب إلى السوق لشراء مطلبات الفطور، فيما يحرص الرجل التونسي خلال الشهر الكريم على شراء المتطلبات بشكل يومي والهدف الحصول عليها طازجة.
وتضيف أن الفعاليات الدينية والاجتماعية التي ترافق رمضان كمناسبة دينية إيمانية، تتلخص في أن الجميع يحرص على تأدية صلاة التراويح، ثم الذهاب لشراء الحلويات التونسية المشهورة التي تبقى رفيقة الشهر الفضيل كالمخارق والزلابية، وهي من مشتقات القمح والعسل والسمسم، وبعد الإفطار أيضاً تتبادل العائلات التونسية، الزيارات فيما بينها، وتكثر ملامح صلة الرحم، لأن الشهر الفضيل يضفي رونقاً خاصاً على التجمعات الأسرية.
كما وتستعيد العلاقات العائلية التونسية خلال رمضان المبارك، الدفء الذي سلبته منها حياة المدن الصاخبة، حيث يعتبر التونسيون أن شهر رمضان هو شهر «اللمة» أو اللقاء مع العائلة بدرجة أولى، والحديث لسارة، التي تؤكد أن الشهر الفضيل يمثل فرصة نادرة للم شمل أفراد الأسرة التونسية حول مائدة إفطار واحدة، بعد أن شتتتها ظروف الحياة طوال أيام السنة، ويتبادل الأقارب والجيران الزيارات والمأكولات، ويستضيف كل منهم الآخر لتناول الإفطار على مائدته، كما يغتنم العديد الشهر الفضيل للتصالح وتسوية الخلافات القديمة مع الأهل والأصدقاء.
وتبدأ ملامح اليوم الرمضاني منذ السحور، كما تفسرها سارة التونسية، حيث تقوم الأم بإيقاظ أفراد الأسرة لتناول السحور الذي يتكون في العادة من العصيدة أوالمسفوف أو الحليب ومشتقاته، وفي الصباح يتوجه أفراد الأسرة إما إلى العمل أو الدراسة، وبعد العصر تبدأ الأم بالتحضير لوجبة الأفطار، وتتولى طبخ الأكلات التونسية الشهية، أما بقية أفراد الأسرة فإما أن تنشغل في مشاهدة التلفاز أو النوم أو قراءة القرآن.
وفي تونس تلحظ عادات جميلة ومختلفة، فقبل اذان المغرب يجتمع الجيران للذهاب معاً إلى صلاة المغرب، حاملين بعض الطعام للتصدق به في المسجد كالماء والتمر كما يحمل الأطفال والشباب بعض المفقرعات والتي يسمونها «فوشيك»، وبعد الصلاة يرجع المصلون الى منازلهم لتناول وجبة الإفطار.
وما يميز التونسيون عن غيرهم في رمضان، هو أن أغلبهم يتناولون القهوة مباشرة بعد الإفطار أو الشاي حتى لا يشعروا بالصداع، وبعد ذلك تقدم الفاكهة والحلويات.
وعلى امتداد تونس ومساجدها، تنتشر المسابقات القرآنية، في حين يتم تكريم الفائزين في المسجد ليلة السابع والعشرين من رمضان، كما ويتميز الشهر الفضيل بعادات اجتماعية اخر، منها إقامة موكب «الخطبة» بالنسبة للفتيات، وتقديم الهدايا لهن ليلة 27 رمضان، وذلك تقليد يسمى «الموسم» للواتي تمت خطبتهن.
وتضيف سارة أن بعض العائلات التونسية تحتفل في ليلة القدر بختان أطفالها، وذلك عن طريق تنظيم سهرات دينية تحييها فرق «السلامية» حتى موعد السحور الذي كان يعلن عنه لا يزال في بعض الأحياء الشعبية «بوطبيلة» المسحراتي.
فيما تشهد المساجد التونسية بداية من اليوم الأول من رمضان، نشاطاً دينياً كبيراً، يتمثل في صلاة التراويح وبعض دروس الوعظ والمحاضرات والمسامرات في كامل أرجاء البلاد، إلى جانب عدد ضخم من الأختام والإملاءات القرآنية، وحصص لختم الحديث النبوي الشريف، بالإضافة إلى ما يزيد على 400 مسابقة لحفظ القرآن الكريم.
وتقول سارة إن مائدة الإفطار التونسية تزخر بأطباق عديدة منها «الرفيسة» المكون من الأرز المطبوخ بالتمر والزبيب، و«المدموجة» وهي ورقة من العجين المقلي مفتتة ومحشوة بالتمر والسكر، وفي الشمال الغربي لتونس تحضر «العصيدة» بالدقيق والعسل والسمن، أما في الساحل فتصنع الفطائر بالزبيب، في حين أن أهل الجنوب يطبخون «البركوكش» وهو دقيق غليظ الحبات يطبخ بأنواع من الخضراوات.
وتحدد أنه في اليوم الأول من الشهر الكريم، تأخذ مائدة الإفطار صبغة خاصة، حيث تعد أطباق من أشهى المأكولات التونسية، أبرزها الحساء وخاصة «حساء الفريك» باللحم أو الدجاج، ثم طبق البريك الذي يتصدر المائدة في كل البيوت وبصفة يومية، وهو عبارة عن نوع من الفطائر تصنع من أوراق الجلاش، وتتشابه مع السمبوسة ولكنها فطائر كبيرة الحجم تحشى بالدجاج أو اللحم، وتكون في مختلف المناطق غير الساحلية، مع إضافة البصل والبقدونس المفروم والبطاطا وتقلى بالزيت.
وبعد تناول الحساء والبريك يأتي دور الأطباق الأساسية الأخرى من الخضراوات واللحوم المختلفة والتي تطبخ عادة في تونس مع زيت الزيتون، ومن الأطباق الأخرى الشعبية التي تتوفر على مائدة الإفطار التونسية «الطواجن» بأنواعها المختلفة، والطاجين طبق شعبي مميز، وتختلف صناعته من منطقة إلى أخرى.
وهو عبارة عن كيك مالح يصنع من الجبن الرومي أو الموزاريلا مع البيض والبهارات وبعض الخضراوات ونوع من اللحوم، وتمتزج كل هذه الأنواع وتخبز في الفرن.
أما السلطات التونسية، فلها أنواع كثيرة، ومنها السلطة المشوية والسلطة النيئة، وتظل السلطة المشوية القاسم المشترك لمختلف البيوت التونسية وتتكون من الفلفل والطماطم، يتم فرمهما مع البصل والثوم والبهارات والنعناع الجاف وتزين بالبيض المسلوق، والكلام لسارة عبدالحميد التونسية.
دبي ـ عنان كتانة

