المناسبات السعيدة تجمع الناس فتظهر قواسم اجتماعية يتفق عليها الجميع من دون أن يقيدها قانون أو يفرضها كبير على صغير، فهي أعراف وجدت طريقها إلى وجدان الجماعة فاستقرت وتطورت وصارت تفرض حضورها في كل مرة، وفي أعراس أبناء الجبال كانت هناك عادات وتقاليد متوارثة لايزال أهلها يحتفظون بها ويفخرون باستعادتها في أعراس اليوم والاحتفال بالمناسبات السعيدة.
«الحواس الخمس» سلط الضوء على أعراس أبناء الجبل ، حيث استقبلنا أبناء قبيلة الحبوس في رأس الخيمة في جمعية الحبوس للثقافة والفنون ليأخذونا في رحلة ثرية عن أفراح الماضي وارتباطها بالمفاخر القبلية والتعبير عن القوة فيها، فما أن تذكرنا أعراس الماضي حتى شاعت الابتسامة والحماس على وجه الوالد محمد بن راشد بن رشدوه الحبسي وكأنه يستعيد نشاط الشباب وقوته وقد بدأ الحديث قائلا : كان العرس ندبه وطبل وسيف، وأصواته تمتد بين الجبال والوديان، وكانت الافراح في الماضي تعبر عن تعاضد القبيلة وتواصلها مع القبائل الأخرى، وتستمر أياماً عدة يقرع فيها الرجال الطبول و«ينقعون تفك» ويستقبلون المهنئين باللقيا أي الاستقبال وفن الرواح الذي يختلف باختلاف أوقات أدائه.
ويضيف ابن رشدوه : كانت مساكننا في وادي قداعة المنحدر من الجبل الاحقب ومنطقة -اللسلة وقور الشعر حيث تنتشر القبائل بين يوار النعي في وادي الغيل ويدة شراخ ويدة مق سكيك والسلاية والختمي والسلت وكل هذه المناطق شهدت أعراس الناس وأفراحهم ، فالقبائل تتشارك الافراح وتساعد في الفزعة.
وكان الحبوس يستقبلون المهنئين من مختلف المناطق الجبلية حيث يأتون منشدين وسلاحنا وارد جديد بإيدين شبان وحيا وكانت مظاهر الفرح بادية على الناس والمكان فالراجل متجزمين بالأسلحة والخناجر والسيوف يصعدون على الجبال وينتشرون فوق صخورها ليعرفوا بتراث المنطقة والمعرس يرتدي الكندورة التي تصبغ باللون الأحمر أو الأصفر، ويتعطر بدهن الياسمين وخلطات العطور العربية ويلبس الحزام المزين بالبارود حاملا بندقيته ومتمنطقا بخنجره.
وكانت المهور مناسبة لا تتجاوز المئتي روبية والذبائح متوفرة تباعة بروبيتين أو ثلاث، وطعام العرس يبدأ بالتمر والجامي ثم العيش واللحم، والنساء يفرحن بالاعراس فيرتدين الثياب الملونة مثل البريسم المشجر بالاحمر والاصفر أو الكندورة وأبوكليم والكنادير المطرزة بالتلي، ومن تمتلك ذهبا تلبسه وتتزين أمام الحاضرات.
وكانت الاسلحة جزءا مهما من عرس الجبال ، فالرجال يقتنون أنوا البنادق مثل الصمعة والميزر وأم خمس وأم عشر وأم فتيلة وميزر سلطانية وميزر أم تين طويلة حيث يطلق الرجال النار ترحيبا بالقادمين من المهنئين وتظهر هيبة الرجل بتمنطقه بخنجره وحمله لسلاحه، وكانت الاسلحة وسائل اتصال واشارات تنبيه بين الناس تدعوهم إلى المناسبات أو تنبههم إلى الافراح أو المخاطر.
ويبدو العزف على الطبول فن الرواح تقليدا مميزا عند أبناء الجبال فهم يعتزون بآلاتهم التي توارثوا صناعتها عبر أجيال متعددة حيث قال علي بن زيد الحبسي نائب رئيس جمعية الحبوس ( للطبول اسماء عديدة منها الابر، اللقم، الدبي، سيليوي، الهويني، وهي تصنع الطبول من خشب السدر وقد تخصص أشخاص معينون في صناعة تلك الطبول حيث يقوم الرجل بالبحث عن أشجار السدر الجيدة لقطعها وتجفيفها، وقد تم استخدام هذا النوع من الاشجار لأن أخشابها هي أقوى أنواع الخشب وأكثرها مناسبة للحفر وصناعة هذا النوع من الطبول.
ويتم قطع الأشجار في أوقات معينة من السنة ليكون الخشب في أفضل حالاته، ثم يحفر الجذع بشكل اسطواني ويركب عليه جلد الماعز، ويتم ربطه بأغصان السدر أو أشجار الرمان أو خيوط الصوف وهذه العملية قد تستغرق عدة أشهر لصناعة طبل واحد لذا تكون تلك الطبول مميزة لأن كلا منها يمثل شجرة سدر من أشجار الجبل).
ولتعريفنا بفن الرواح اهتم الحاضرون بتقديم تطبيق على أرض الواقع فأحضروا الطبول وبدأوا العزف داخل قاعة الجمعية ، مصورين صفوف الرجال وهم يقدمون هذا الفن الجميل، فهم يدورون مع الطبول متقدمين تارة ومتأخرين أخرى وقد يصل عددهم إلى أكثر من اربعين رجلا يعبرون عن فرحهم وتلاحمهم بالفن الذي يعلو صوته فتستقبله الجبال ويفرح به الداني والقاصي، ويذكر ابن رشدوه ( أن الطبول تجمع من بيوت القبيلة الذين يشاركون جميعهم في الفرح ويساعدون المعرس في تكاليف عرسه بتقديم الذبائح والعيش.
وقد كانت أعراس قبائل الجبال متشابهة تتبادل فيها القبائل التهاني ويلعبون بالسيوف ويرتدون المحازم والخناجر وصفوف الرصاص، وكانت الاعراس في الصيف تقام على البطيحة أي الارض المستوية أمام البيوت، أما في الشتاء فيصعد الرجال إلى الجبال، وفي الشتاء يكون العرس أفضل، وكانت اعراس أول كلها فرح أما اليوم فالعرس تكليف وديون والرجل يتحمل مصاريف كثيرة ليكتمل عرسه).
ويتحدث عبيد بن راشد الحبسي عن فن الرواح قائلا : تختلف اسماء الرواح باختلاف اوقاته ، ففي الصباح يسمى سيرحي وفي الضحى صودري وفي العصر حتى المغرب يسمى رواح وبعد المغرب يسمى سيريا، ويستقبل الرجال ابناء القبائل الأخرى الذي يقدمون للتهنئة منشدين الأشعار في مديح القبائل مثل ( حي ربع لفونا، بالكرم والحشيمة)، أما الندبة فتكون نداءات ترحيب لا تتضمن أشعارا أو رزفة وانما تكون باطلاق أصوات خاصة يطلقها المهنؤون لتنبيه مستقبليهم .
حيث تكون بمثابة مديح وتكريم للقبيلة الأخرى، وهي تحتاج إلى قوة في الصوت لينتشر بين الجبال ويصل إلى العرس، ثم يبدأ الرزيف حين يقتربون من العرس فتسمى الدخلة يمشي فيها الرجال مسلحين منهم من يلعب بالسيوف ومنهم من يعزف على الطبول ومنهم من يطلق النار، ويستقبلهم أصحاب الفرح برزيف مماثل يسمى اللقيا حتى يلتقي الجمعان فتكتمل الأفراح وتتنوع الأهازيج ويشارك الشيب والشباب في الفرح وقد يكون الجد والابن والحفيد معا في نقر الطبول لأنها جزء من الموروث الشعبي الذي يعبر عن تلاحم القبيلة ومشاركتها في أفراح أهلها.
ويظهر فن آخر في الأعراس هو فن الحربية وهو فن رجالي يتقابل فيه الرجال منشدين القصائد التي تتغني بكرم الناس وأمجاد حياة الجبل ولا يكون فيها للطبول حضور فهي تعتمد على أداء المشاركين للقصائد بألحان خاصة وايقاع مشترك يتفق عليه الجميع وتكون حركة المشاركين مناسبة للألحان وتتنوع قصائدهم بين الغزل والحكمة والفخر والمديح.
دبي - دلال جويد

