عندما تكون متوجهًا إلى الزمالك أو المهندسين أو تمر بشارع 26 يوليو في العاصمة المصرية وتجد الطريق مغلقًا أمام ضريح الشيخ أبو العلا تدرك تمامًا أنك قد وصلت «وكالة البلح».. فمنذ اليوم الأول لشهر رمضان والمئات بل الآلاف يتجهون لسوق وكالة البلح الواقع في منطقة بولاق أبو العلا على كورنيش القاهرة، فهي سوق تتسع لكل فئات الشعب بلا استثناء حيث يجد الغني حاجته والفقير ضالته ومتوسط الدخل ما يحتاجه حسب ظروفه المادية.

وقد يصف البعض «وكالة البلح» بأنها أهم بوتيك للفقراء، خاصة أنها اشتهرت ببيع الملابس المستعملة عالية الجودة والتصميم والتي تستورد من دول أوروبا، ولكن بعد دخول البضائع الصينية للوكالة فقد أثرت بشكل كبير على تجارة الملبوسات المستعملة نسبة لرخص البضائع الصينية.وسوق وكالة البلح مثلها مثل كل الأسواق في العالم طالتها الأزمة المالية العالمية، حيث شهدت في مطلع العام الحالي كسادًا كبيرًا في وقت كانت هذه الفترة من أكثر الفترات نشاطًا في كل عام. تشتهر الوكالة ببيع أفضل أنواع الستائر والملاءات وجميع المفروشات والملابس الجاهزة التي تعد من أحدث الموديلات، ورغم ذلك تباع بأسعار زهيدة، مقارنة بما هو معروف في بقية الأسواق الأخرى من الصنف نفسه، خاصة أن الفقراء يمثلون الشريحة الأكبر من زبائنها، وأغلبهم من النساء نسبة لأكثرية أماكن بيع الملابس النسائية.

ولكن عندما تدخل هذه السوق وتنظر إلى المعروضات ونوعية البضائع فيها يطرأ سؤال مهم في ذاكرتك عن علاقة البلح بالملابس والستائر، ويرد على هذا السؤال الشيخ صالح الدفراوي- له أكثر من 60 عامًا في هذه السوق منذ أن كان طفلاً يعمل مع والده فيشير إلى أن هذه السوق كانت مخصصة لبيع البلح الذي يأتي عبر المراكب الصغيرة التي تأتي من الصعيد خاصة أسوان، وينزلون هذا البلح في هذه السوق التي يأتي إليها المواطنون بحثًا عن البلح الجيد والأنواع المختلفة منه.

مع ازدهار سوق البلح بدأ بعض تجار الملابس الجاهزة يفرشون بضاعتهم بالقرب من مدخل السوق للاستفادة من الأعداد الكبيرة التي تأتي للسوق لشراء البلح وبدأوا يحققون مكاسب جيدة، وهذا فتح شهية زملائهم الآخرين وازدادت أعداد تجار الملابس وتنوعت المعروضات، وأنشأوا بعض المحلات داخلها فتقلصت تجارة البلح وازدهرت تجارة الملابس والأقمشة التي احتلت المكان وظل الاسم كما هو «وكالة البلح».

بضائع مستعملة

إذا رأيت ملابس جاهزة عند مدخل وكالة البلح وهي مغلفة ورائعة لا تظن أنها من المصنع إلى التاجر مباشرة ولكنها بضاعة مستعملة وإذا وصل سعر البنطلون إلى 70 جنيهًا فهذا لا يعني أنه غير مستعمل لأن سعره الأصلي لا يقل عن 200 جنيه وهو جديد، وهذه الملابس تأتي في «بالات» كبيرة إلى ميناء بورسعيد عبر شركات ومكاتب تجارية معروفة.

وتباع لتجار الوكالة بالكيلو ويحكم السعر نوع البضاعة وموسمها ودرجاتها، فهناك أنواع كثيرة منها نمرة (1) يصل فيها سعر الكيلو من الملابس بين 40 و60 جنيها. ويقول أحد التجار إن هذه الملابس تأتي من عدد من الدول الأوروبية، وبالرغم من أنها مستعملة فإن استعمالها جيد، وبينها أيضا ملابس جديدة غير مستعملة ولكن فيها أخطاء تصميمية ولا تباع هناك ويتم استيرادها بأسعار رخيصة، وما على التجار في الوكالة إلا أن يقوموا بكي هذه الملابس وتغليفها بشكل جيد قبل عرضها في الأسواق بأسعار زهيدة ولذلك تجد أن أغلب زبائنها من الفقراء.

مراكز قوى بالسوق

وداخل هذه السوق بأزقتها الضيقة وممراتها المتفرعة أقسام لكل نوع من البضائع وفي أطرافها تجد محلات البضائع المكملة مثل الموكيت والمشمعات الأرضية والسجاجيد ومحلات لورق الحائط، كما تحيط بها محلات المأكولات والمشروبات في كل جوانبها.

ولكن كما هو الحال في الأسواق الأخرى تجد هناك مراكز القوى داخلها وتلاحظ عندما تدخل الوكالة، وتتجول بها تتأكد أن هناك ثلاث مناطق فيها تعتبر مناطق نفوذ، ولكن واجهة الوكالة القريبة من شارع 26، التي فيها كثافة كبيرة من الباعة على عربات متحركة بعجلات، هي الأكثر عرضة لمطاردة الشرطة الخاصة بالمرافق العامة، ولذلك كانوا يستعدون لها من خلال عربات بعجلات تتحرك بسرعة وقت اللزوم.

وهم لا يفاجأون؛ لأنهم لديهم صبيان يراقبون الطريق من شارع 26 يوليو ويبلغون الباعة في حالة قدوم الشرطة حيث يطلقون صرخات معينة، وفجأة تجد المكان المواجه للوكالة خالياً تمامًا من ذلك الزحام من الباعة والجمهور؛ لأن البائع المتجول إذا تم القبض عليه تصادر بضاعته ويتعرض أيضا للغرامة.

دهاليز وممرات طويلة

وفي وكالة البلح السمك الكبير وهؤلاء يمثلون مراكز القوة ،والسمك الصغير وهؤلاء من الباعة الغلابة وأصحاب المهن الهامشية، أما أصحاب المحلات الكبرى التي يطلق عليها السنترات فلديهم أماكن كبيرة فيها كثير من البضائع وعندما تدخل هذه المحلات تجد داخلها دهاليز وممرات طويلة وأخيرًا تجد سلمًا يقودك لدور ثان وثالث وهؤلاء يعتبرون أصحاب نفوذ في السوق وأغلبهم يبيعون الستائر والملاءات والملابس النسائية وغيرها وهم في نفس الوقت يسيطرون على أصحاب الأكشاك أو المحلات الصغيرة التي لا تتعدى مساحتها 2 - 2 متر الذين يعملون في مجال الخياطة «ترزية» أو تثبيت الزرائر أو إعداد الستائر بشكلها النهائي وتسليمها لأصحابها جاهزة تمامًا.

خدمة:دار الإعلام العربية