المسلمون أينما وجدوا يحتفلون كل عام بقدوم الشهر الفضيل كل على ما يتوافق وعاداته وتقاليده وأعرافه المتبعة.. يختلفون قليلاً في الشكل والتعبير، ويتفقون كثيراً في المعنى وفي المضمون، ويبقى رمضان الشهر الفضيل سيد الموقف بلا منازع.

في سوريا أو «الشام» كما يصطلح البعض على تسميتها، تنغمس ملامح الشهر الفضيل في كثير من المفارقات اللافتة والمعبرة.. بين حواري الشام القديمة، وأسواقها القديمة ومساجدها العريقة وعاداتها الأصيلة يزهو الشهر الفضيل بالعديد من الإيجابيات.ويتألق بنهاره وليله بما هو أجمل من الممارسات التي اعتادها أبناء الشام وراثة أباً عن جد، فتقاليد العراقة والأصالة وحدها لها حكاية مكتملة الأركان مع رمضان، وفي السطور التالية صور أوفى للشهر الكريم من قلب دمشق «الشام السورية»، بحسب ما يروي لنا الدكتور بشار عبدالرحيم، طبيب سوري يقيم في دولة الإمارات، ويحرص في كل عام على التواجد في أحضان أسرته الممتدة وفي مناسبات مختلفة.

يقول الدكتور بشار إن الطقوس الخاصة باستقبال الشهر المبارك في سوريا، وخاصة في دمشق تبقى مكتملة الروحانية في شكلها وطبيعتها، وذلك من خلال الأسواق ذات الطابع التراثي والشعبي، والتي لم تصلها المدنية أو ربما لم تقوَ على طمس ملاحها، فبقيت كما هي إلى الآن، وهي مصنفة ضمن المناطق التراثية في الأمم المتحدة، لذلك ترى أبوابها وجدرانها وحتى الأواني التي تحفظ بها الأطعمة هي التي وجدت منذ البداية، ولا تزال حتى اللحظة معبقة برائحة العتق المطعم بنكهة الحاضر. وفي الشام ميزة أخرى جميلة تلمس خلال رمضان، كما يضيف عبدالرحيم، تتحدد في أصوات الباعة الدمشقيين، وكأنها ترنيمة متوارثة، بالإضافة الى الفوانيس الرمضانية الزاهية بألوانها وأشكالها العتيقة، وعادة ما يؤجل الشعب السوري شراء حاجياته الخاصة برمضان إلى ما قبل بداية الشهر الفضيل بيوم أو يومين على الأكثر، لذلك فإن متعة ازدحام الشوارع والأسواق تشكل ظاهرة إيجابية ربما محببة ومطلوية عند السوريين.

وباعتبار السوريين جميعاً، فإن رمضان يعتبر شهراً للتلاحم الأسري والاجتماعي كما هو موجود في باقي المجتمعات العربية والإسلامية، وفي سوريا تزداد حميمية الشهر الكريم من خلال مناسباته المختلفة، فهناك أول رمضان حيث الزيارات وتفقد الأصدقاء والأقارب والجيران، وكذلك العاشر من رمضان «عاشوراء» وفيه يتم إرسال الطعام والفاكهة إلى الأرحام والأقارب والمعسرين، إضافة إلى ليلة القدر أو «السبعة والعشرينية» كما يطلق عليها السوريون، ومن بعدها يأتي العيد بأعرافه وتقاليده العديدة.

وفي الغالب يبقى رمضان في قلوب وعقول السوريين، مناسبة تليق بعادات حميدة كثيرة، في مقدمتها وصل الأرحام وتفقد المحتاجين، كما يوضح بشار عبدالرحيم.. وفي جولة سريعة على البيوت السورية، تجد أن موائد الإفطار فيها تكاد تكون واحدة في كل مكان، والسبب يكمن في شيئين، الأول لأن الثقافة الغذائية المتبعة واحدة، والثاني لأن الجار هناك يرسل إلى جاره ما لديه من أطعمة «تبادل طعام الإفطار» بين البيوت المختلفة، وهي سمة عامة في المجتمع السوري.

وفي الأرياف السورية تصادفك عادة أخرى جميلة تعبر عن واقع مجتمع لا يأكل وحيداً، بحسب ما يؤكد عبدالرحيم، حيث يقف رب البيت أمام منزله وقت الإفطار، منتظراً مرور أي شخص لدعوته إلى مائدته، وهذا السلوك الحميد والمتبع، ظل يعتبر دافعاً للغير حتى أصبح عادة.

ويضيف: في سوريا مثل يقول «رمضان خيره فيه»، فالشهر الكريم لا يبخل على مسلم أينما وجد، وعلى الرغم من وجود مشقة نسبية على الإنسان غير الميسور هناك، إلا أن تعاون الجيران يخفف من حدة الأمر.. فما هو متبع في الشام أن إمام المسجد وقبل حلول رمضان، يعد قائمة بأسماء الأسر المتعففة، ويتولى أهل الخير مهمة جمع مبالغ نقدية، وإيصالها إلى المحتاجين، بأسلوب جميل ويتصف بسرية مطلقة، حفاظاً على عدم المساس بكرامة أي شخص.

ولعل ما يميز الشهر الفضيل في سوريا عموماً ودمشق خصوصاً هو الأذان الجماعي الذي يؤديه المصلون في المسجد الأموي، وتلك لفتة دينية تميز أهل الشام في مسجدها الأموي المميز بأدق تفاصيله، حيث تكثر في ذلك المسجد الفعاليات الدينية من وقت الإفطار وحتى السحور، مع وجود فرق الإنشاد الديني التي تهتم بالمدائح الدينية المعبرة، وتتحدد الميزة الكبرى في الحياة الدينية السورية خلال رمضان، بظاهرة إيجابية أخرى وهي امتلاء المساجد عن بكرة أبيها بالمصلين.

وفي تعامل العائلات السورية مع رمضان بنهاره وليله، يوضح بشار عبدالرحيم أن ما ينطبق على العائلة ينطبق على الجيران عامة، فالجميع هناك يعاضد الآخرين ويساعدهم، فزيارات ما بعد العشاء وصلاة التراويح تحديداً تبقى ميزة دورية، أي أنه في كل يوم يجتمع الكثيرون في بيت، وهناك من يجلب معه الحلويات، وآخر يقدم التمر الهندي، وثالث يوفر عرق السوس، إلى جانب الشاي والقهوة العربية التي تعطر رائحتها الأنوف، وفي المناطق الجنوبية من سوريا تظل تلك القهوة تقليداً يومياً تجده في كل بيت.

ويؤكد أن المطبخ الشامي أو السوري بشكل عام، يبقى غنياً بوجباته المتشعبة، التي تبدأ بالشوربة وما يرافقها من سلطات باردة مثل الفتوش والسلطة العربية وسلطة الجرجير والتبولة والحمص، وهي أصناف حاضرة في كل يوم.

وبالنسبة للمشروبات، فتتنوع إلى التمر هندي والقمر دين والعرق سوس والشاي، أما أطباق الطعام الرئيسية فهي كثيرة، منها الفريكة مع البازلاء الأخضر واللحم المفروم الأرز بكافة أنواعه، والكبة والمحاشي، وفي المناطق الجنوبية يوجد المنسف الذي يتكون من البرغل المجروش والمرقة المصنوعة من المريس أو اللبن واللحم، ومن الحلويات السورية توجد القطايف والمهنا بكافة أنواعها المبرومة والبلورية والآسية وكول وشكور والأصابع والهريسة المصنوعة من السمن العربي.

وكغيرها فإن الأسواق السورية تشهد خلال رمضان شيئاً من الغلاء، ولكن الناس هناك يحتاطون لمواجهة الغلاء من خلال التوفير على مدار العام، لا سيما وأن رمضان والعيد مناسبتان تتطلبان ميزانية كبيرة، كما يضيف عبدالرحيم.

ويختتم أن الأسواق السورية توفر كل شيء يطلبه المجتمع على اختلاف شرائحه، والحكومة هناك تطرح في تلك المناسبة بعض المنتجات في صالات البيع الحكومية وبأسعار مخفضة بشكل نسبي، بما يناسب كافة الشرائح الاجتماعية.

ويبقى التقارب ميزة في المجتمع السوري، والملاحظ هناك أن موائد الرحمن، لم تجد صدى كبيراً نتيجة تعفف الناس عن حضورها بسبب الحرج، لذلك تجد أئمة المساجد يجمعون الأموال للمحتاجين قبل رمضان.

دبي ـ عنان كتانة