مثلت شجرة الغاف عنصراً مهماً عند أبناء الماضي حتى إنهم كانوا يرون فيها بيتاً إذا شحت الموارد، ولم يجد الرجل ما يعينه على بناء بيت، والأرض التي ينبت فيها شجر الغاف هي أرض صالحة للحياة، فتسمت بها آبار ومدن، وتغنى بها بحارة وحداة، واجتمع في ظلها رجال مثلت لهم مجلساً وحكايات سمر وطريقة تواصل ومحبة.

الحاج أحمد سعيد خميس يروي ذكرياته في البحر، وهو يقول كان الرجال في رحلاتهم البحرية يستعيدون ذكرياتهم في مناطقهم، وكانت الغافة شجرة محبوبة عندهم؛ فقد كانوا يجتمعون حولها، ويتبادلون الأخبار والحكايات، لذا فهم يغنون في البحر، وهم يسحبون الحبال (يا محلا براد القيظ يحلا بظلة الغافة.. يا خوي الشتا مغثه يبغي لبس ولحافة). والغافة هنا يقصدون بها شجرة الغاف لأنها شجرة معمرة وقد يستطيع مجلس من الرجال أن ينعقد في ظلها. الدكتورة مريم الشناصي، مستشارة وزير البيئة والمياه، تحدثت عن أهمية تلك الشجرة عند أبناء الإمارات قديماً فقالت: كان الناس يرون في الغافة شجرة الحياة؛ ففي حر الصيف مثلت لهم ظلاً مبرداً ومكاناً يتقون به حرارة الشمس، ووجودها دليل على وجود المياه الجوفية، ومن الطبيعي أن وجود أي نبات يعد دليلاً على وجود المياه، لكنها بالذات أكثر دلالة على وجود المياه الجوفية، لأن جذورها تمتد عميقاً في الأرض.

وهي من الأشجار المحببة للحيوانات الرعوية؛ فهي طعام جيد للإبل والأغنام والماعز، وقد عد الناس جودة لحوم تلك الحيوانات بسبب اعتمادها على أوراق الغاف طعاماً لها، وقد اعتمد عليها الناس قديماً في بناء بيوتهم باستخدام جذوعها أعمدة للبناء، إضافة إلى استخداماتها الأخرى كونها تمثل حطباً مناسباً للطهي والتدفئة، وأشجار الغاف تمثل حياة تزدهر بسببها حيوات أخرى فهي تجمع الطيور حولها، وكذلك الحشرات فتزدهر أحياء الطبيعة، وتمثل بيئة مناسبة للحياة، والآن أصبح التوجه لإعادة زراعة أشجار الغاف لمكافحة التصحر كونها من النباتات الطبيعية المحلية التي تنسجم مع بيئة الإمارات، وتساعد في توفير بيئة طبيعية صحية في البلاد.

ويذكر الباحث عبد العزيز المسلم، مدير إدارة التراث في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، أن الناس تسمي الغافة عود، وجمعها عيدان، وإذا تواعدوا يقولون موعدنا عند العود الفلاني أو عند العيدان إذا كان هناك عدد من أشجار الغاف.

وسميت كثير من المناطق بأسماء الغافة منها عود ميثا وعود بن سبت وعود الحجيجة، إضافة إلى مناطق أخرى مثل أم غافة في العين التي سميت نسبة إلى شجرة غاف لاتزال موجودة حتى الآن، وقبل سنوات دخلت إلى البلاد شجرة تشبه شجرة الغاف، لكنها أصغر قليلاً سماها الناس غويفة تصغيراً لها، وهي من الأشجار الضارة، حتى ضرب المثل بالشجرتين لتصنيف الناس فالنافع غافة والضار غويفة.

ويضيف المسلم اهتم الناس بشجرة الغاف لفوائدها الكثيرة، حيث استخدموها في صناعة (الصخام) أي الفحم، إضافة إلى استخداماتها في البناء، وكانت هناك أكلة شعبية تسمى المجيجة تصنع من خلط أوراق الغاف مع (القاشع)؛ أي السمك المجفف، وهي أكلة خفيفة عرفها الناس في الماضي.

وهناك أشجار غاف معمرة لايزال الناس يهتمون بها، ويتأثرون إذا أصابها ضرر كما حصل حين احترقت إحدى أشجار الغاف التي يصل عمرها إلى 250 عاماً في منطقة ضاية، إحدى مناطق رأس الخيمة، فشاع الحزن بين الأهالي، فالغافة شجرة قريبة إلى القلوب مرتبطة بالذكريات.

دبي - دلال جويد