لا تزال المقاهي التاريخية القديمة في القاهرة الأكثر جذبا لزبائنها في ليل رمضان رغم انتشار المطاعم والمقاهي الحديثة التي اهتمت بمستجدات العصر من أكلات ومشروبات ومبردات.
وفي وسط ميدان طلعت حرب بالقاهرة لافتة ضخمة أصبحت معلما تاريخيا تعلن عن مقهى شهير ومعروف وهو مقهى «جروبي» فالسائحون العرب والأجانب الذين زاروا مصر أو حتى الذين يعيشون فيها كلهم يعرفون «جروبي».وجروبي يعد من أقدم مقاهي مصر وتطور أداؤ؟ه مع الزمن رغم أنه تأسس منذ قرابة التسعين عامًا وبجانب تقديمه المشروبات الساخنة والباردة ولكنه يعد الأشهر في مجال الحلوى والأيس كريم في مصر كلها، وهو المقهى الوحيد الذي ارتبط فيه تقديم القهوة والشاي بالجاتوه، حيث يعتبره المؤرخون أكبر من مجرد مقهى عادي ولكنه تاريخ عريق وطويل في مجال الفن والفكر والسياسة.
بدأت قصة إنشاء جروبي بوصول الحلواني ابن الواحد والعشرين عامًا جياكومو جروبي من سويسرا إلى مصر يبحث عن فرصة عمل وبعد سنوات من إقامته في مصر أسس هذا المقهى بفكر جديد وانطلق من مهنته كحلواني ثم طور المشروع حتى كبر وأصبح مقهى ومطعما ومنها أسس مجموعة من مقاهي جروبي وكان ذلك في بداية العشرينات من القرن الماضي وحازت المجموعة على شهرة كبيرة خاصة بعد أن أصبح جروبي مشروعا ثقافيا له تقاليده الخاصة وتطور سريعًا وبدأ في استقطاب الحفلات الراقصة والفرق الموسيقية الغربية والأفلام السينمائية في حديقته الخلفية بشارع عدلي.
مجموعة جروبي في مصر 4 مقاه الأول والأكبر في شارع عدلي ولكن بمرور الزمن أصبح أشهر هذه المحلات مقهى جروبي الذي يتوسط ميدان طلعت حرب وذلك لموقعه الجغرافي والذي انشئ على مبنى مصمم على فكر معماري قديم وأصيل.
وإذا دخلت مقهى جروبي من الباب الرئيسي المواجه للميدان وجلست في صالة المقهى ستجد بابًا مغلقًا صغيرًا يفتح على شارع قصر النيل لا يستعمله الزبائن حاليًا ولكن يمكن للعاملين في المقهى التعامل من خلاله.
ولكن قدامى زبائن جروبي أكدوا أن هذا الباب كان مخصصًا في فترتي الأربعينات والخمسينات لدخول البشوات والوزراء وعلية القوم من المصريين والأجانب وهؤلاء كانوا يحرصون على تناول غذائهم في جروبي، فيما كان المدخل الرئيسي مخصصًا للزبائن من عامة الناس الذين كانوا يتوافدون بأعداد كبيرة لتناول طعامهم أو مشروباتهم في جروبي وأيضا يلفت نظرك وأنت جالس ذلك البدروم الذي إذا نزلت من سلالمه تجد مئات العمال والطباخين يعملون لإعداد الطلبات من الزبائن والإعداد لمأكولات ومشروبات الحفلات الكبيرة التي كان محل جروبي محتكرًا لأغلبها في الأوساط الراقية.
والقدامى من زبائن المحل عندما يدخلونه يقصون عليك قصصًا ممتعة عن هذا المقهى، فهنا كانت تجلس الفنانة أسمهان وفي ذلك الركن كامل الشناوي وكذلك المخرج يوسف شاهين والفنان أحمد رمزي.
ويسجل التاريخ أن مقهى جروبي كان ملتقى للصفوة وأبناء الطبقة الراقية ووقتها عندما كان الجرسون لا يزيد راتبه الشهري على 25 قرشًا كان زبائن جروبي يدفعون البقشيش من جنيه إلى أعلى للجرسون وهناك من يدفع للجرسون أكثر من 5 جنيهات كبقشيش. وكثير من الأجانب كانوا من رواد هذا المقهى التاريخي الجميل وحتى الرئيس الإسرائيلي السابق عيزرا وايزمان كان أحد رواد المقهى عندما كان جنديا يهوديا بالجيش الإنجليزي.
وجروبي.. مقهى يتميز بقدر كبير من الخصوصية والوجاهة الاجتماعية كما له تقاليده الراسخة التي مازال المقهى يتمسك بها، وحسب المؤرخين فإن الأخوان المسلمين كانوا قد خططوا وحاولوا نسف مقهى جروبي مع بعض المؤسسات الأخرى عام 1954 باعتباره مركزًا لحركة ثقافية واجتماعية وسياسية مهمة تتعارض مع أفكارهم وأحبطت المؤامرة في حينها.. والمفارقة العجيبة انه المقهى الذي اشتراه أحد أقطاب الأخوان المسلمين من أحفاد جروبي والذي اتهمه البعض بأنه السبب في تخريب جروبي وتراجع دوره الثقافي والسياسي والاجتماعي والقضاء على دوره التنويري.
ولكن بالرغم من كل ذلك مازال رواد جروبي القدامى هم الأكثر تمسكًا وإعجابًا به حيث يقول محمد عبدالمنعم ،أحد أهم زبائن جروبي ان هذا المبنى يذكرني بأجمل أيام طفولتي عندما كنت أتردد عليه مع والدي ليشتري لي الأيسكريم والحلوى.
رجل آخر يدعى جمال الأسيوطي بلغ من العمر 80 عامًا، قال إنه كان لا يغيب يومًا عن جروبي وكان زملاؤه وأصدقاؤه عندما يفتقدونه يحضرون إلى جروبي ويجلسون معه وأغلبهم أصبح زبونًا دائمًا له وقال إنه كان يجب الشيكولاتة التي كانت تقدم آنذاك، مؤكدا بأن الشيكولاتة التى تناولها في ذلك العهد لم يذق بعدها طعمًا لها وقال: كان لها طعمًا خاصًا وكان يشاهد كثيرا من نجوم المجتمع إما وهم يجلسون في المقهى أو يترددون لشراء الشيكولاتة.
خدمة: دار الإعلام العربية

