ضمن حالة التنوع والغنى التي تعيشها الدراما الإماراتية في هذا الموسم الرمضاني، دخلت تجربة السيد كوم في صيغة تقديم أعمال اجتماعية إماراتية كوميدية الملامح، وبالتالي برز مسلسل «عجيب غريب» لما يمكن أن يسمى وليد هذا النوع من الأعمال، والذي قدمه الفنان أحمد الجسمي منتجاً منفذاً لمصلحة تلفزيون دبي.

بدأ المخرج عارف الطويل العمل به متأخراً جداً عن باقي الأعمال التي قدمها، أو تلك التي أنجزت، ولكنه استطاع وخلال وقت قياسي أن ينتهي من تصوير هذا العمل، وأن يقدمه جاهزاً للشاشة، وربما لأن تجربة السيد كوم لا تحتاج إلى تنقل للكاميرا، أو إلى كثير عناء في تبديل مواقع التصوير؛ فقد أثمر هذا عن شروط مثالية للانتهاء من التجربة مبكراً في استوديوهات تم إنشاؤها لمصلحة شركة «جرناس» للإنتاج الفني التي يديرها ويشرف عليها أحمد الجسمي إشرافاً كاملاً.

النص والارتجالات عليه... بدأت قصة «عجيب غريب» منذ أن طلب الجسمي من الكاتب جمال سالم الوجود في شهر رمضان في عمل درامي، لا سيما وأن الأخير كان قد أعلن لمقربين له أنه ما عاد يكتب لشهر رمضان، وشكلت دعوة الجسمي وإصراره موافقة لدى جمال الذي بدأ بكتابة عمل كوميدي منفصل الأجزاء ويتبع ولو من ناحية شكل الكتابة لمسلسله الشهير «حاير طاير». وبالتالي ثمة حالة تمرس بصياغة الجملة الدرامية كان بالإمكان ملاحظتها في العمل سواء لجهة الحوار الذي يعتمد على مفردات سهلة على مستوى اللهجة، أو لجهة الأفكار والمعالجة الدرامية التي تميل باتجاه السخرية من بعض المواقف الاجتماعية بما يقبله هذا النوع من الأعمال وما يستدعيه هذا النوع من الكتابة، اللهم لولا بعض الارتجالات التي لوحظ أنها تشذ عن جسد النص الأصلي، والتي سنأتي عليها تباعاً الآن.

عائلة متواضعة... إذا دخلنا في صلب هذا العمل نجد أنه كتجربة أولى له الكثير من الامتيازات، وفي المقابل لا تخفى بعض الملاحظات التي تؤخذ على ما يمكن أن نقول عنه ثغرات التجربة الأولى، والعمل يحكي عن عائلة إماراتية مكونة من الأب والأم والبنات الثلاث والجدة، وفي كل يوم هناك قصة وحكاية لأحد أفراد البيت لما يمكن أن نسميه في الفرقة الموسيقية الصولو. حيث تعزف آلة موسيقية وتساندها في هذا باقي الآلات، وتسكن هذه العائلة التي يبدو عليها التواضع ضمن بناية، وفهمنا من خلال المشاهد أن وضع العائلة قد تدهور مالياً؛ فقررت الانتقال من العيش بالفيلا إلى الشقة.

وفق المؤلف حين اختار الحديث ضمن طبقة البورجوازية الصغيرة، لأن هذه الطبقة دائماً يختارها الكُتّاب والمؤلفون نظراً إلى أنه يحدث فيها الكثير من التناقضات والحكايات التي تثير الخيال، وهذه الشقة توجد داخل بناية، وحسب متابعتنا أيضاً؛ فإن هناك إيرانياً يتكلم العربية بصعوبة، اسمه عباس، يؤدي دوره الفنان مرعي الحليان، ويبدو أن هذا الإيراني مقيم في البلد منذ وقت طويل، بل يحمل الجنسية الإماراتية، وولده يتحدث اللهجة الإماراتية بطلاقة، ويلبس اللباس الوطني.

الشخصيات والضحك

هذا النوع من الأعمال يميل إلى وقت العرض القصير، والمعالجة السريعة، وتحقيق ردود أفعال على المفردات، وعلى الحركات التي تصدر من الممثلين الأساسيين، أو الطارئين على العائلة، فتكوّن ردود الأفعال تلك ما يسمح بتوليد عامل الضحك، ونلاحظ هنا أن غريب الغش، صاحب البيت يقع عليه الجانب المهم في توليد هذا الضحك، ونتيجة لخبرة الفنان الجسمي في الوقوف على خشبة المسرح وامتلاك الشخصية من كل جوانبها نلاحظ أنه هنا قدم جهداً طيباً له كممثل يمشي على طبيعة الشخصية الكوميدية والاجتماعية دون أن يسمح لجانب أن يجنح على الآخر، ولكن من جهة أخرى نجد أن شخصية الجدة تبدو فيها إشكالية فنية وإنسانية ما لجهة تعاملها مع الآخرين أو لعلاقتهم بها.

فنياً هي تميل دائماً على الصعيد الشخصي لأن تتحدث وهي متوترة ومأزومة بصوت عال، وبمفردات ربما صارت معروفة في قاموس شخصيتها دون أسباب موجبة، وعلى الرغم من أن الفنانة القديرة رزيقة الطارش تتمتع بخفة ظل وسرعة بديهة كممثلة، إلا أنه هنا سرعان ما ستفقد بريقها كشخصية درامية نتيجة تكرار مفرداتها مع تقدم الحلقات.

قراءتنا النقدية هذه على الحلقات السبع الأولى، وفي العرف الاجتماعي ربما كان غير مقبول التعامل مع الجدة بمنطق السخرية من قبل أي فرد من أفراد العائلة، الأمر الذي أحدث بعض الخروقات في هذا الجانب، ولو مضينا باتجاه الجار عباس لوجدنا أن مرعي الحليان، وعلى الرغم من الحضور الكوميدي، الذي وفره للشخصية، إلا أن شخصية أخرى قدمها العام الماضي في «حظ يا نصيب» تصب شكلاً على الأقل في مسار شخصية عباس.

لابد من التنويه أثناء الحديث عن الشخصيات باجتهاد صوغة في تقديم زوجة إيرانية، وأمل محمد في أدائها لدور البنت الدلوعة، وملاك الخالدي في دور الأم، وما لا يقبله المرء في الدراما العادية تبدو للكوميديا أبواباً ونوافذ مفتوحة على قبول بعض القضايا، نظراً إلى أن الفرصة واسعة فيها للسخرية من القضايا الاجتماعية بضوابط، وأعتقد أن النص هنا لم يحقق خروقات مباشرة في هذا الحيز، ومن المهم القول إن تجربة «عجيب غريب» تميل إلى تحقيق إضافة فنية واجتماعية جديدة على ملامح الدراما الإماراتية.

خيال

كتب جمال سالم هذا العمل بمنطق مختلف عن أعماله السابقة، لا سيما أنه يكتب وفي خياله جنس فني جديد عليه، وخلال وقت قياسي كتب هذا العمل، وكان يقدم حلقة بحلقة للتنفيذ، ولكن على الرغم من هذا، وجد حضوراً طيباً له، والناس تتلقاه يومياً لتشاهد فصلاً جديداً من فصول قوم غريب الغش.

كوميديا

الطويل يعتمد على الايقاع السريع

اجتهد المخرج الفنان عارف الطويل من أجل تحقيق عمل بإيقاع سريع، لأن شرط نجاح هذه الأعمال هو سرعة إيقاعها وانضباطها زمانياً ومكانياً، ونعتقد أن المخرج قد استفاد من كل شبر موجود في الاستوديو الجديد الذي جهزته شركة (جرناس) لتقديم أعمالها الرمضانية فيه كل عام، والموجود على أطراف الشارقة وعجمان معاً.

وحقيقة وجدت المكان رحباً ومتسعاً قياساً لما شهدته عندما زرته قبل أشهر عدة، وفوجئت بمهارات المخرج في توظيفه توظيفاً درامياً. وعموماً يحرص عارف على الاعتناء بإيقاع أعماله التي يقدمها سواء الاجتماعية أو الكوميدية أو التاريخية والتراثية.

ونشيد بحسن إدارته للممثل وتوظيفه الفواصل بين المشاهد، ولكن ربما كان هناك مجال للاهتمام بالجانب الكوميدي الهزلي في بعض المشاهد للخروج بضحك مدروس أكثر، وهذا ليس نقيصة بحق العمل بقدر ما يجب أن يشاهد العمل بمنطق الإضافة للدراما المحلية لجهة الشكل الفني وجهة السخرية الموجهة من الكثير من التفاصيل اليومية والحكايات الاجتماعية.

دبي- جمال آدم