يعود رمضان الشهر الكريم، وهو يحمل كل عام مزيداً من ملامح الخير والبركة والعطاء إلى المسلمين كافة، فيسارعون من مشارق الارض ومغاربها لاستقبال خير الشهور، حيث يتهيأ كل بلد على طريقته وعاداته وتقاليده المتوارثة والممزوجة بألوان من الفرحة والاستبشار والسرور، فتطفو على السطح عادات إيجابية كثيرة، تختلف في الشكل بحسب جغرافيا المكان، لكنها تتوحد بطابع الروح الإسلامية، وفي المجمل تبقى لرمضان مكانة خاصة في نفوس الجميع.

المملكة العربية السعودية تستأثر بالنصيب الأكبر من الاحتفال بالمناسبة الكريمة، وفق عادات وتقاليد متوارثة وراسخة، كيف لا وفيها الحرم النبوي الشريف والكعبة المشرفة قبلة المسلمين، ولعل ما يجعل السعودية دولة يمتاز رمضانها بالكثير من الإيجابيات هو احتضانها لمكة المكرمة والمدينة المنورة، وهما ترويان قصة دين إسلامي بدأ برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يرقد هناك في قبره المختلف، فهو سيد الخلق وإمام المرسلين. كثيرة هي معالم الاحتفال برمضان الشهر المبارك في المملكة العربية السعودية قلب العالم الإسلامي، بما تمثله الجزيرة العربية من قدسية ربانية، حيث اختارها المولى عز وجل لتكون محطة انطلاقة الدين الإسلامي، فهي البلد التي يفرض على مسلمي العالم أن يقصدوها لأداء الفريضة الخامسة من أركان الإسلام وهي الحج.

السعوديون ومعهم مسلمو العالم بأسره يجتمعون كل رمضان في قالب ديني لا يغيب عن الذهن أبداً، حيث المعتمرون من كافة أرجاء العالم يتسابقون للظفر بعمرة تعدل عند الله حجة، وما يتبع ذلك من أجواء دينية وروحية لا تنسى في أرجاء أرض ظلت لمئات السنين مهداً وأساساً للدين الإسلامي وللخلافة الإسلامية التي توارثت الحكم من بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. ولرمضان المدينة المنورة، مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، أجواء خاصة لا تتكرر إطلاقاً في أي بقعة من الأرض سواها، حيث تبدأ المظاهر الرمضانية هناك قبل حلول رمضان بفترة طويلة، ويلجأ سكانها إلى شراء كميات كبيرة من الرطب وتخزينها في الثلاجات، استعداداً لاستقبال الضيف الكريم. وبمجرد أن يزف للناس هناك خبر إعلان مجلس القضاء الأعلى بدخول شهر الخير والبركة، وما إن يسمع أبناء المدينة بالخبر حتى يخرجوا حاملين الدفوف ومرددين: «جاكم رمضان بالفرحة جاكم رمضان بالبهجة جاكم رمضان يا مرحى لهذا الشهر اللي جا..».

ولعل أهم ما يبرز جمال وحيوية هذا الشهر، هي تلك الموائد الرمضانية التي تبسط قبيل موعد الإفطار في الحرم النبوي الشريف للمعتكفين والزائرين، على شكل وجبة خفيفة تضم حبات من الرطب ورشفات من القهوة العربية، وقليل من اللبن، ونوعٍ خاص من الخبز يطلق عليه أهل المدينة اسم «شرِيك»، وأجمل ما في تلك الموائد هو أن يقف صاحبها لدعوة المارين إلى مائدته. أما الأجواء الروحانية فحدث عنها ولا حرج، وهي تبدأ بتلاوات القرآن الكريم في مختلف المساجد، التي تنطلق من مناراتها المواعظ الدينية بعد صلاة العصر من كل يوم، وتنتهي بصلاة القيام التي تجعل روح المسلم متصلة برب السماء وتجأر إليه بالدعاء، فما أجمل ذلك المنظر الرهيب وحشود المؤمنين تتزاحم في كل مكان.

وكما توضح حرم قنصل المملكة العربية السعودية في دبي والإمارات الشمالية، فإنه وبمجرد حلول شهر الصوم هناك، فإن أول ما يقوم به الناس هو تهنئة بعضهم البعض بقدوم الشهر الكريم، وتصحب ذلك زيارات عائلية كثيرة للمباركة والتعبير عن تلك الفرحة، فيما يظل شهر رمضان بالنسبة لكافة السكان في المملكة العربية السعودية، بمثابة الفرصة الأكبر للتوبة والعبادة والاستغفار، فترى الجميع يتسابق في فعل الخيرات أملاً في الحصول على مبتغاه في رضا المولى عز وجل.

ولعل أبرز ما يميز رمضان السعودية، هي تلك العلاقات الاجتماعية والعائلية الحميمة، التي تجمع الأهل والأقارب، وتوحد المشاعر بين الجيران وأهل الحي والبلد عموماً، بل تتعدى ذلك إلى الشعور الأخوي مع المسلم أينما وجد، وتلك المشاعر تنطلق بلا استئذان تعبيراً عن المحبة التي تنبعث من القلوب مع حلول شهر رمضان المبارك.

وكما تروي حرم القنصل السعودي، فإن الملاحظ في شهر رمضان، أن الجميع يواصل أعماله كما اعتادها من قبل، بل وتجد نشاطاً متزايداً في جوانب عمل الخير وفي الجوانب التجارية المعنية بشؤون رمضان، فيما أكثر ما يمتاز فيه رمضان السعودية دائماً هو تلاوة القرآن الكريم وخاصة في النهار، وأداء صلاة التراويح جماعة في المسجد، وأيضاً تكثر الزيارات بين الأهل والأصدقاء توطيداً لعلاقات المحبة والإخاء، ولا يمكن إغفال عادة حميدة تلمح بقوة في رمضان المملكة العربية السعودية، وهي تتلخص في حرص أفراد العائلة الواحدة على التجمع حول مائدة الإفطار بغض النظر عن حجم الأسباب المعيقة.

وخلال اليوم الرمضاني في المملكة العربية السعودية، يبقى الرجال مندمجين مع أعمالهم ووظائفهم، فيما تبدأ السيدات بالاستعداد والاهتمام بشؤون المنزل، وبمائدة الإفطار وذلك قبل أن يتجمع الصغار والكبار حولها.

وفي المساء يشترك معظم الناس في صلاة التراويح منذ اليوم الأول من رمضان، وفي العشر الأواخر من الشهر الفضيل تضاف إليها صلاة التهجد أو قيام الليل، وتبقى ليالي رمضان مفعمة بأشكال العبادة من صلاة وقراءة القران وحضور حلقات الذكر، فيما تظل مساجد المملكة قاطبة مُنارة بملامح دينية شفافة ومعبرة تلفت إليها أنظار العالم الإسلامي أينما وجد.

وعلى صعيد المائدة الرمضانية السعودية، فهي كما تؤكد حرم القنصل السعودي في دبي، تمتاز بأكلات معينة لا تفارق سفرة بيت سعودي طوال الشهر الكريم، وتشمل «السمبوسك» وشوربة الحب والفول وأنواع العصير، وعادة ما يبدأ «فكوك ريق الصائم» بالتمر واللبن والماء، أما في السحور فيختلف الناس في طبيعة طعامهم، حيث يوجد من يفضل سحوراً خفيفا لا يتعدى السلطات والفواكه، وهناك من يفضل سحوراً دسماً، فيما يرغب كثير من الناس في تناول المكسرات بمختلف أنواعها في الفترة ما بين الفطور والسحور.

أما الأسواق السعودية فهي تختلف في رمضان عن باقي شهور السنة، وهي عموماً تسهر الى حد الفجر، ويلحظ فيها نشاط متزايد، وخاصة لدى خياطي

ملبوسات العيد، إذ أن الجميع هناك من رجال ونساء وأطفال يلبسون ملابس جديدة في العيد، ويتعدى ذلك النشاط عند باعة الحلويات، حيث يستهلك الناس كثيراً منها في أمسيات رمضان، ويعدون الكثير منها لعيد الفطر السعيد.

تسامح

يستعد أهل السعودية لاستقبال شهر رمضان الكريم بسعادة بالغة، مستبشرين بقدومه وراجين فيه المغفرة والرحمة من الخالق جل وعلا، وحينما يهل شهر رمضان ينطلق الناس بنشاط كبير نحو الإكثار من قراءة القرآن، والصلاة والتسبيح، ولعل أهم ما يمتاز به شهر رمضان الفضيل في المملكة، هو أن كثيراً من الناس يتسامحون فيما بينهم ابتهاجاً بهذا الزائر الكريم، وأملاً في أن يغفر الله لهم ويرحمهم برحمة الشهر الفضيل.

ملامح

حينما يودع الصائمون في المملكة العربية السعودية شهر رمضان، تجد في أعينهم ملامح شتى من الحزن والأسى والأسف على ضيف كريم يغادر، فهو شهر تصاحبه عادات حميدة تترك في النفس أثراً، إذ يحسِّن الناس في علاقاتهم مع الآخرين، وتشيع أجواء روحانية تجعل المرء يتسامى فوق الشر، وفي الوقت نفسه يبدأ الجميع استعداداتهم لاستقبال العيد في حالة أخرى ملامحها الفرح والسرور.

أما الدعوات فلا تنقطع أملاً في أن يحظى الجميع بمغفرة من ربه، فيما يمثل العيد وخصوصاً للأطفال فرحة كبيرة للتمتع بأجواء جميلة متوارثة، بما في ذلك الملابس الجديدة، وكثرة الحلويات وإمضاء أوقات ممتعة في الملاهي ومع الألعاب المفضلة.

وداع رمضان: حزن وأسى

استقبال العيد: فرح ومتعة

الواقع العام: دعاء طلب المغفرة

السعودية

تقع المملكة العربية السعودية في شبه الجزيرة العربية، وتستأثر بثلاثة أخماس مساحتها، وتتميز بموقعها الاستراتيجي بين ثلاث قارات كبرى، إذ تقع في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، فظلت موطناً للعديد من الحضارات ومهداً للرسالات السماوية.

وفي الجزيرة العربية التي كانت ممراً تجارياً مهماً، وطريقاً للقوافل العابرة، انتشر الإسلام في قلبها، ومنها انتقل إلى سائر أرجاء العالم، حتى وصل إلى أفريقيا وآسيا وجزء من أوروبا على مدى عصور ازدهار دولة الخلافة الإسلامية.

الدولة: المملكة العربية السعودية

العاصمة: الرياض

السكان: 25 مليون نسمة

دبي - عنان كتانة