الحديث عن مقهى «بعره» الشهير في شارع عماد الدين وسط القاهرة يقودك بلا جدال للحديث عن السينما المصرية، والحديث عن السينما المصرية يعني النجوم والملايين والشهرة والصيت.

ولكن واقع المقهى الآن يختلف كثيرًا.. لأن الحديث يمتد إلى مظاليم السينما، وليس كبار أو حتى صغار النجوم الذين تصل أجورهم إلى مئات الآلاف، بل الملايين، ولكننا نقصد الغلابة من «الكومبارس» الذين يعدون ملح الطبخات السينمائية والدرامية.. فهذا المقهى الذي تأسس العام 1936 في شارع عماد الدين الذي يضم أكبر المسارح ومكاتب الريجسيرات في عالم التمثيل لم ينشئه صاحبه من أجل أن يكون مقرًا لهؤلاء النجوم، أو أولئك «الكومبارس»، ولكنه كان قد طلب تصديقًا لإقامة مقهى للموظفين في المؤسسات المنتشرة في وسط القاهرة، ولكن الصدفة وحدها هي التي خدمته بأن يكون مجاورًا لأكبر تجمعات «الكومبارس» في مصر الذين أصبحوا أهم زبائنه.

فالكومبارس في السينما المصرية لهم العديد من المقاهي المعروفة التي يتواجدون فيها ولكنهم اختاروا مقهى «بعره» باعتباره قريبًا من مكاتب المنتجين والريجسيرات ومن المسارح التي تملأ شارع عماد الدين. وبالرغم من أن هذا المقهى لا يتسع لكثيرين بحكم ضيق مساحته، ولكن ظل وحتى الآن مكتظًا بالكومبارس، خاصة من يشتركون في المعارك الحربية؛ فتجدهم جالسين وواقفين في انتظار الفرج.. وعندما يأتي ريجسير أو منتج أو مخرج تجد المقهى عن آخره، يقف رواده وكأنهم ينتظرون نتيجة امتحان نهاية السنة. وأنت جالس في المقهى ذاته أو أحد المقاهي المجاورة وتشاهد الكل يقف ويتجمهر تتأكد أن الفرج قادم لهؤلاء، وهذا يعني قدوم من هو مكلف باختيار مجموعة من «الكومبارس» للقيام بأدوار معينة أغلبها صامتة، وبينهم من ظل لأكثر من 40 عاما ينتظر مشهدًا واحدًا ناطقًا، حتى ولو كلمتين باعتبار أن المتكلم يرتفع أجره كثيرًا عن الصامت، ورغم قلة الفرص والأجر عندما يأتون لاختيار مجموعة منهم تتوقف أصوات خبطات الضمنة والطاولة على أمل أن يقفز أي منهم ليسجل اسمه ضمن المختارين.

هذا المقهى التاريخي، مقهى «بعره»، لم يكن وقفًا على الكومبارس وحدهم، ولكن أجمل وأعظم لحظة لرواده من الكومبارس عند قدوم نجم أو مخرج أو منتج للجلوس على المقهى، وكل همهم أن يشكوا لهم حالهم، ومحاولة التقرب منهم على أمل الحصول على مشهد ناطق، وكان من أبرز رواده من الراحلين أنور وجدي ورشدي أباظة وتوفيق الدقن وعماد حمدي وغيرهم من الرواد.

كان صاحب المقهى ويدعى محمد زناتي يطلق عليه اسم «بعره» وهو اسم يشتق من بعرور أي «الجمل الصغير»؛ لأنه كان يتميز بضخامة الجسم، وقوامه العالي، وصدره العريض، ولكن الفنان رشدي أباظة اختصر الاسم إلى «بعره» عندما كان يحاول أن يدلعه ويناديه باسم «بعره» اختصارًا لاسم بعرور الذي عرف به.

وهذا المقهى رغم صغر حجمه، وتواضع مستواه تجد أن أهم نجوم السينما قد تخرجوا فيه على رأسهم رشدي أباظة، عندما كان يجلس عليه، وهو يقوم بأدوار صغيرة، وكذلك توفيق الدقن وأنور وجدي فهما كان يتم اختيارهما لأدوار صغيرة، أو أدوار ثانية من خلال أصحاب المكاتب المتخصصة، ومنها انطلقوا إلى النجومية وحتى من أتوا بعدهم مثل يوسف شعبان وعادل إمام وغيرهما؛ اختاروا الجلوس على هذا المقهى على أمل إيجاد فرصة مثل الذين سبقوهم، ومن بعدهم جلس على مقاعده محمود حميدة ومحمد هنيدي وغيرهما، وعبرها انطلقوا إلى عالم النجومية.

يقول ابن صاحب المقهى، الذي يتولى إدارته حاليا: «إن اسم هذا المقهى كان سابقا يطلق عليه «نادي الكورسال لفنان السينما»، وذلك قبل أن يطلق على صاحب المقهى اسم بعرور».

ومن أطرف المشاهد التي تلاحظها في المقهى عندما تشاهد أحد الكومبارس الجالسين في المقهى يدخل إلى أحد أركان المقهى ويخرج بشكل آخر وخلفه الكوافير والبدكير، وهذا يكون قد تم طلبه بشكل معين، ومستعجل لدخول البلاتوه.

وفي مثل هذه الحالات غالبا ما يتلقى صاحب المقهى اتصالا تلفونيا من جهة منتجة يطلب شخصا محددا أو بمواصفات معينة للقيام بدور معين، وبعدها تكون الأمور جاهزة حيث يأتي أحد متخصصي المكياج، ويدخل مع الشخص الذي تم اختياره في ركن من أركان المقهى، ويخرج الممثل جاهزًا لأداء الدور.

ولكن أغلب هؤلاء الكومبارس لهم مشاكل مزمنة وصعبة، بالرغم من أنهم لا يقلون أهمية عن أبطال العمل؛ فهم يتقاضون مبالغ زهيدة جدًا نظير أدائهم دورا صغيرا أو إذا كان متكلمًا أو صامتًا، مثل الكومبارس محمد حسن عبد الجليل، ويطلق عليه محمد شير 60 عامًا، أول مشاركاته ككومبارس كان في فيلم مع فريد الأطرش وشادية تقاضى عنه 25 قرشًا، وآخر عمل له كان في مسلسل «حدائق الشيطان» وحصل فيه على 50 جنيهًا.

وهناك حسن الذي يعد الأقدم من بين الكومبارس الجالسين على المقهى، ويمثل عمدتهم حيث يحترمه الفنانون الكبار والمنتجون حيث بدأ نشاطه ككومبارس عام 1948 وكان عمره 10 سنوات، عمل مع الفنان سعيد عبد الوهاب ومع فريد شوقي في« 30 يوم في السجن» وبعدها في فيلم «جعلوني مجرمًا»، وعمل في السنوات الأخيرة، بعد أن بلغ عمره الواحد والسبعين عامًا، مع الفنان حكيم في فيلم «علي سبايسي» ثم «حريم كريم، والساحر، وأصحاب ولا بيزنس»، ولكنه رغم نضال السنين يقول إنه يتقاضى أجرا ضئيلا، مشيرًا إلى أن السبب في ذلك هو كثرة الكومبارس فأصبحوا بالآلاف وهذا أصبح لا يتيح له أن يرفض أي مبلغ نظير أي عمل حتى ولو كان ضئيلا.

كومبارس

يتفاخر صاحب مقهى بعره، سيد الزناتي، بأنه لا يوجد فنان في مصر لم يجلس على هذا المقهى، ويقول إن المقهى يأتي إليه خريجو معهد التمثيل ليقدموا أنفسهم لمكاتب الريجسيرات المجاورة للمقهى ثم يصبحوا من روادها .

والغريب أن الزناتي يؤكد أنه كان يشاهد الكومبارس وهو صغير يجلس على هذا المقهى الذي كان يديره والده، وهم من أعلى طبقات المجتمع.

منافس

يجاور مقهى بعره مقهى آخر وهو الوحيد الذي ينافسه في الزبائن من الكومبارس وهو مقهى النصر في شارع زكريا أحمد المتفرع من عماد الدين بوسط القاهرة، فهذا المقهى كان يستقبل الكومبارس الذين لا يجدون مكانًا لهم في مقهى بعره، فهناك الآلاف الذين يترددون على مكاتب الريجسيرات ويقضون فترات الانتظار في مقاهي شارع عماد الدين.