في الغالب تتنوع لهجات ولغات العالم للتعبير عن مناسبة عزيزة، وربما تنسجم رؤى كثير من الدول في تقييم حجم وأهمية ضيف يمر بهم.. ذلك كما يلمس قد ينطق إلى حد ما على وصف إدراك دول العالم المختلفة لشهر رمضان المبارك، الزائر الوحيد الذي يدوم في نفوس الملسمين خفيف الظل مهما قسى نهاره على الصائمين، ذلك لأن لإفطار الصائم متعة لا يدركها سوى صائم.

يبقى شهر رمضان المناسبة الأقوى التي يحتفل بها المسلمون في شتى بقاع العالم ببريق لا يبهت رغم توالي السنين، وفي ذلك سر رباني لا تبتعد عنه متعة صائم أرهقه نهار رمضان، وللمناسبة أوجه إيجابية كثيرة لا تتسع لها سطور.. ولتسليط الضوء أكثر على عادات رمضانية تختصرها شعوب العالم الإسلامي، خصصنا هذه المساحة للحديث عن شكل رمضاني في إيران، وذلك كما ينطق به لسان حال أبناء إيران أنفسهم، الذين يستذكرون جملة من التقاليد والأعراف المعاشة في بلدهم خلال تلك المناسبة الدينية المهمة. «رمضان مبارك» عبارة ينطق بها كثير من أبناء إيران، بمجرد قدوم شهر الصيام، وكأنها تخرج من أفواههم إيذاناً بالتغير والاستعداد للبدء في حياة جديدة تتدارك ما فات، وتعد بما هو أفضل في العلاقة مع الخالق عز وجل، ومع العباد.

الأجواء الرمضانية العامة التي تنتشي بها إيران كثيرة ومتشعبة، واحدة منها تبدو سلوكاً عاماً، وهي أن المراكز الدينية في إيران، ومنها المساجد تهتم بوضع برامج ثقافية ودينية هادفة، سعياً منها لحث الميسورين من أبناء البلد على المساهمة في مساعدة الفقراء والمحتاجين، وفي ذات الوقت يحرص الكثير من الصائمين على المشاركة في البرامج التي تقيمها المساجد، وذلك بعيد تناول طعام الإفطار، لا سيما في قراءة القرآن الكريم في مختلف المساجد.

وفي ذات الإطار تبقى ليلة القدر بالنسبة للإيرانيين، أو ليالي الأحياء كما يسميها الإيرانيون، معلماً بارزاً من نشاط الناس هناك خلال شهر رمضان، حيث تجد في كل مكان تلاوة للقرآن بشكل جماعي في الليالي التي يلتمسون فيها ليلة القدر.

ليالي شهر رمضان في طهران تختلف بشكل مطلق عن سائر أيام العام، حيث يتجمع ألاقارب وألاصدقاء بعد الإفطار في المقاهي الشعبية لتناول الشاي والشيشة وأنواع المكسرات والتمور المختلفة، فيما تكتظ المساجد في المناطق الشعبية بروادها وقت الإفطار، لا سيما الطبقة البسيطة من العمال الذين يستمر عملهم لساعات متأخرة من الليل، الذين يفضلون الإفطار في المساجد بسبب الازدحام المروري، وضيق الحال المادي.

أما العائلات الإيرانية، فتراها في رمضان تحرص على تناول الوجبة الرئيسية من الإفطار بعد ساعة من أذان المغرب، وليس عقب الإذان مباشرة، فيما لا تخلو المائدة الرمضانية الإيرانية من (الآش رشته) وهو حساء دسم مليء بأنواع البقوليات والمعكرونة والخضروات الورقية، إضافة إلى الهريسة (حليم) والشوربة التي يلجأ اليها الصائمون وتعتبر طبقاً رئيسياً في رمضان في المطاعم، ناهيك عن شوربة ماء اللحم التي تسمى (أبكوشت)، كما تنشط بصورة ملحوظة محال بيع الحلويات والمكسرات خلال شهر رمضان، وتبقى (الزلابية) من أكثر الحلويات شهرة في إيران.

وفي المساجد وبمجرد صوت الأذان، تبدأ عملية توزيع وجبات الافطار، الذي يتكون عادة من قدح من الماء الساخن أو الشاي، وقليل من التمر والجبن الأبيض، وشيء من الخضروات، إضافة الى قطعة من الخبز، وذلك قبل البدأ بالوجبة الرئيسية للافطار.

وتختلف العادات والتقاليد الرمضانية في إيران، من مدينة إلى أخرى، ففي مدينة أصفهان التاريخية وسط أيران يفطر الصائمون على دوي المدفعية الرمضانية التي تقع في أحدى الساحات القديمة هناك، ولعل ألاكلة الرمضانية الشعبية الأكثر شهرة في أصفهان هى (الباجة) وهي عبارة عن لحمة رأس الخروف والهريسة، وتسمى (حليم)، فيما لا تخلو مائدة أصفهانية من الملح والبصل، ناهيك عن السلطة الإيرانية.

وعلى صعيد الأجواء الروحية المصاحبة لشهر رمضان المبارك في إيران، فهي تتجلى في كل مكان هناك، ويعيشها معظم الناس، بحيث تبدو وكأنها محطة استراحة في حياة الجميع، وربما دعوة إلى التوقف أياماً معدودات عن الاستغراق في هموم الدنيا ومتطلباتها، فخلال الشهر الفضيل تتسابق المراكز الدينية كالمساجد والحسينيات في وضع برامج ثقافية وفكرية وعقائدية هادفة وطموحة، وهو ما يتبعه كثير من ردود الفعل الإيجابية من مختلف شرائح المجتمع الإيراني.

ويرتبط الإيرانيون بعلاقة خاصة مع الدعاء خلال شهر رمضان، بما لديهم من طقوس خاصة في قراءته والاستغراق في معانيه ودلالاته، فيحرصون على قراءته في أوقات متعددة من اليوم.

حيث يوجد دعاء السحر الذي تبثه محطات الإذاعة والتلفزيون، ويبدأ مع استيقاظ الصائمين لتناول السحور، وينتهي عند آذان الفجر، وقد يتشارك في قراءته الكثيرون، ولكن بسرعة أكبر لكي يتسنى لهم الوقت الكافي لتناول طعام السحور.

كما ويحرص الكثير من الصائمين على المشاركة في البرامج التي تقيمها المساجد والحسينيات بعد الإفطار، ومنها دعاء الافتتاح الذي يقرأ بصوت منغم يضفي جواً إيمانياً خاصاً.

وفي ليالي القدر أو (الإحياء) كما يسميها الإيرانيون، تجد المساجد الجامعة ومساجد المحلات والحسينيات، ومراكز إقامة صلاة الجمعة على امتداد البلاد تعج بالمصلين المستغفرين والمعتكفين.

دبي ـ عنان كتانة