(أيام أول كانت ريحة الرطب غير، لأن الأرض أحسن، وما شي كيماوي) هذه العبارة التي أطلقها الوالد محمد سيف ماسي الكعبي، وهو يتذكر أيام الماضي حين كانت بساتين النخيل مواسم فرح وجمال تفتح أبوابها للجميع، فارتباط الناس بالنخلة جعلهم يشعرون بأبسط التغيرات فيها.

والماضي الذي يبدو جميلاً في ذاكرة الكعبي تجعله يستعيد ذكريات بشارة الرطب وأيامه الجميلة في منطقة حتا الوارفة بأشجار النخيل، فيقول: كان الرطب يبشر بالنغال؛ فهو أول الأنواع نضجاً، وقد قالت الأمثال (ما عكب النغال بنات خال)، وحين يبدأ موسم الرطب يتباشر الناس ويفرحون لذا سميت بداية الرطب البشارة).والرطب يتنوع بتعدد أنواع النخيل في البلاد، وهو ينتشر على امتدادها في الواحات، وفي المقايظ؛ ففي دبا كانت بساتين النخيل عامرة بخيراتها حتى أنشد فيها الشاعر: (هذي دبا محلاها وملفاها للغريب)، وقد كان أهل البساتين فيها من الموسرين، فيقول خميس عبد الله: فيلاكان النخل مصدر الرزق لأبي.

وكانت لديه مخازن للتمر، وكان أهل النخيل يدفعون زكاتهم تمراً، وفي دبا كان الرطب يبشر بكش حميد والصلاني ثم النغال، إضافة إلى أن كثيراً من الأنواع تنضج معاً فنجد أنواعاً مختلفة مثل الأشهل والخنيزي واللولو والربحي والخلاص وأجودها الأشهل، وكان الناس أيام القيظ تعيش بين النخيل فيكون موسم تواصل يأتينا الناس فيه من كل صوب.وفي الذيد تكون للرطب أهمية كبيرة؛ فالمنطقة كانت واحة كبيرة تزدهر أيام الرطب، حيث يقول عبيد علي عبد الله: كان عملنا في بساتين النخيل، وعيشتنا الأولية من بساتين النخل، ومن لا يمتلك شيئاً يعمل في أرض صاحبه، وكانت الناس تتساعد في المعيشة، وحين يبدأ موسم الرطب ينتظرونه بصبر، حيث تكون أول أنواع الرطب من الصلاني والنغال وجش حميد، وأم السلة والشبروت والخنيزي والشيشي والخصاب والهلالي والجبري والمكتوم يكون آخر الرطب.

ويشير راشد عبد الله إلى أن أساس إفطار الصائم يكون الرطب في موسمه أو التمر إن لم يكن موسماً للرطب، فحين يأتي رمضان في موسم الرطب يكون هو الوجبة الأولى التي يفتتح بها الصائم إفطاره، وفي الماضي كانت الناس تفطر رباعة فيجتمعون قريباً من بيوتهم، ويحضر كل منهم ما تيسر من طعام ويتشاركون بطعامهم.

وهناك صناعة خاصة يتقنها أبناء النخل، وهي تحويل الرطب إلى تمر يحفظ لمدة طويلة، ويمكن أكله في أي وقت، فقد أحمد عبيد الهنداسي (الحواس الخمس) إلى مزرعته لنرى أنواع النخيل فيها، ونتعرف إلى طرق كبس التمور القديمة، والتي لايزال الناس يعتمدونها حتى اليوم، حيث يقول: في موسم الرطب (اليداد) تنفض عذوق النخلة، وتجمع أنواع الرطب كل على حدة.

ويفرد في مكان منبسط يسمى المسطاح، ويجفف تحت الشمس ثم ينظف من الحشف والحشائش والشوائب، ويجمع ويكبس في خصافة، وهي سلة مصنوعة من سعف النخيل، يحفظ في التمر بعيداً عن الهواء والأتربة حيث يخزن لأوقات أخرى من السنة، وكان كل بيت لديه مؤن من التمر على مدار العام، ونحن لانزال نكبس التمور بتلك الطريقة، ونضيف إليها سنوت ويليلان وسمسم ومطيبات تناسب التمر، حيث توجد أنواع مختلفة حسب المطيبات منها المدبس والمدلوك والمنثور والمديوس.

ولصناعة الدبس أهمية كبيرة بين الناس في الماضي، حيث كانت المدابس تتوسط البساتين، والمدبس هي غرفة يجمع فيها عسل التمر تكون مغلقة من دون نوافذ أو فتحات هوائية، وتكون حيطانها الداخلية مطلية بالجص، ويعمل في أرضيتها أخاديد أو أنهار صغيرة تلتقي جميعاً في نهر صغير واحد، وتكون على شكل منحدر تبدأ بسلال التمر، وتنتهي بخرس يصب فيه الدبس الذي يبدأ بالسيلان عبر الأخاديد أو القنوات ليصل إلى الخرس.

ومن الجدير بالذكر أن المدبسة تكون محمية من الحشرات والحيوانات، ويكون التمر مرصوصاً فلا توجد فراغات بينه، حيث يوضع التمر على حصير من جريد النخل ليكون عازلاً له ومصفاة للدبس، وأجود أنواع تمور الدبس الخلاص والخنيزي والبكيرات.

ويشير سعيد الكعبي إلى أن النخلة (تمر بمراحل عديدة قبل أن تعطينا عذوق الرطب الطيبة اللذيذة، حيث يكون آخر فصل الشتاء هو موسم (النبات) في شهر فبراير، إذ ينتهي موسم سقوط الأمطار، وتبدأ عملية التنبيت، أي تلقيح النخلة بإزالة الشوك من سعفها، واستخراج الطلع من ذكور النخل، ويكون مغلفاً على شكل قارب يتم شقه من الوسط.

ويستخرج منه الطلع، ويوضع في مكان مشمس ليجف ويمكن استخدامه رطباً كذلك أو خلط الرطب مع اليابس، وهي الطريقة الأفضل، فيقوم راعي النخلة بأخذ مجموعة من عيدان اللقاح، أو الطلع ليضعها في النخلة الواحدة، ويربطها بسعف النخيل للحفاظ على الطلع في داخلها، وهذه الطريقة التي تبعها أهل النخل.

إضافة إلى وجود طريقة طبيعة تقوم فيها الرياح أو الحشرات بنقل لقاحات ذكور النخل إلى إناثها، وبعدها تأتي مرحلة لف العذوق حين يكون الثمر فيها لايزال خلالاً لحمايته من الأتربة، والطيور وتغيرات الجو، وبعد حوالي شهر أو أكثر، تفك الأربطة عن العذوق، ويتم تنزيلها إلى أسفل النخل ليسهل على البيدار جني الرطب في ما بعد، ويتم تنظيف النخلة وإزالة السعف اليابس منها، ثم يأتي موسم الرطب أو الخراف، وهو الموسم الذي يتم فيه جني الرطب بخرف الرطب أو قطع العذوق).

ويتحدث الكعبي عن مراحل الرطب قائلاً: تمر التمرة بمراحل عدة قبل أن تصل إلى شكلها وطعمها النهائي؛ ففي البداية تسمى حبابو التي تكون ثمرة صغيرة خضراء اللون، ثم تتحول إلى الخلال حين تصفر قليلاً، ثم تكون بسراً أي رطبٍ لم ينضج بعد، ثم تأتي البشارة بوجود بعض الرطب حيث يفرح الناس ويتباشرون به، وقد تصل أسعار الرطبة الواحدة إلى مبالغ كبيرة ويشتريها الأثراء، لأنها تمثل الفرحة بموسم الرطب، وبعدها يتم تحويل الرطب الى تمر بتجفيفه ثم كبسه.

كان الرطب ولايزال موسماً مفرحاً يحتفل بها الكبار والصغار؛ ففي الماضي كانت الناس تحتفل بموسم الرطب في المقايظ، واليوم أصبحت له مهرجانات عامرة ترعاها الدولة وتدعمها للحفاظ على موروث له حلاوة التمرة ورائحة الطلع.

دبي - دلال جويد