البهجة التي تعلو الوجوه، سر يتجاوز هدايا ملموسة، وشغف الانتظار الذي يلازم رحلات الصيف الطويلة حتماً له مذاق آخر، كانت صندوق الدنيا الذي تعرف عبره الأهالي إلى ملذات وطيبات الطعام.

وتحلّو بأساور ملونة لم تجد بها حياتهم البسيطة، بينما شكلت أقطار العالم التي ارتحل إليها التجار محط تنافس لجلب أغلى وأحلى الهدايا، الصوغة تقليد وسلوك متوارث، يكشف تفاصيل النسيج الاجتماعي في حياة أبناء المنطقة، حيث لا رحلة برية دون حلوى وخضراوات، ولا سفر في أعالي البحار دون أقمشة أو عود وعطور. الصوغة هدية المسافر لأهله وجيرانه والخاصة هم من ترسل لهم تعابير التقدير والامتنان، فالإحساس الذي تتركه الصوغة لايزال ملتصقاً بأول ثوب (مزرّاي) لبسته الجدات، وأول مذاق للفواكه، وأول حلق وإسوارة ملونة و(عكّاسة) جادت بها رحلات الحج. وتعرف الأهالي إلى الصوغة خلال رحلات عدة، أهمها تجارية إلى مناطق الهند وإفريقيا، وأخرى صيفية إلى المقيظ، وأشهر مناطقه عمان، حالياً تتخذ الصوغة أشكالاً عدة، بين هدايا تذكارية كالأقلام وعلاقات المفاتيح، إلى تقليدية لاتزال تتصدرها الأقمشة النسائية والرجالية والعود والعطور.

رحلة في حكايات الصوغة تجلو ذكريات الحنين، وتهمس بحياةِ تقاسم أفرادها الفرح منذ زمن، يقول سلطان بن غافان، باحث إماراتي في التراث، عن الصوغة: «دأب الأوائل عند سفرهم إلى بلدان معينة مثل الهند وإفريقيا وجنوب الهند، لابد عند عودته من جلب بعض الهدايا من تلك البلدان لأهله وجيرانه، وقديماً اتخذت الصوغة أشكالاً مختلفة حسب البلدان، فكانت الحلويات والملابس الرجالية مثل الوزار، والنسائية مثل الشيلة أو الأقمشة، وتغنى أحد الشعراء بالأثواب المجلوبة من منطقة مدراس بالهند قائلاً: خوروله ثوب مدراسي.. واستحى اللباس من شوفه. وفكرة الصوغة تكمن في هدايا لا تتوافر للإماراتيين في أراضيهم آنذاك، وتميز كل بلد عن الآخر، وللصوغة وقع كبير على علاقات الجيران والأهالي ببعضهم، وفيها يتمثل التقدير والوفاء والامتنان لعلاقات حميمة.

ويؤكد بن غافان: كان يُجلب من الهند قديماً هدايا لمختلف أفراد العائلة، فكانت الملابس الداخلية للرجال أو ما يسمى (الزنجفره)، كذلك أقمشة نسائية مثل (صالحني) وغيرها، كذلك الحال بالنسبة للقادمين من السعودية، فكانوا يجلبون البرتقال والرمان، اللذين لم يتواجدا قديماً في الإمارات.

المقيظ

وتميز الصوغة كل منطقة عن غيرها، وصوغة الباطنة التي قضى فيها الأهالي رحلة المقيظ سابقاً تكشف عن هدايا متبادلة يحملها الأهالي عند ارتحالهم إلى الباطنة تسمى رحلة الشفايا، حسب ابن غافان، وتمثلت الهدايا في القهوة والمالح (السمك المحفوظ بالتمليح) والملابس، وعند انتهاء المقيظ يجلب الأهالي صوغة من الباطنة كالحناء والدجاج والتمر والليمون، والدعون المستخدمة في بناء المنازل القديمة.

واتسمت رحلة المقيظ سابقاً بكونها مصدراً للتموين المنزلي، حيث حرص الناس على جلب المواد الغذائية بكميات كبيرة لاستهلاكها على مدار العام. وتجاوزت الهدايا الأطعمة والمشروبات والكساء إلى ما هو أبعد من ذلك من وسائل الترفيه آنذاك، فكان الفونوغراف (البشتختة) هدية قيمة تعرف إليها الأهالي عند احتكاكهم بالثقافات الأخرى عبر أسفارهم التجارية.

وتميز الصوغة بلد كالهند، حيث دائماً ما تربعت على قائمة الهدايا، مثل دهن العود والعود والعطور، وكانت الرحلة تستمر لقرابة ستة أشهر، ما يضطر المسافر إلى جلب صوغة قيمة لأهالي بيته وجيرانه.

وشكلت الرحلة إلى شبه القارة الهندية صندوق الدنيا للأهالي، حيث تعرفوا إلى الإكسسوارات التي أغدقوا بها على بناتهم وزوجاتهم، وكانت مثار فرحة عند الكبار والصغار. يضيف بن غافان شملت صوغة الهند الأحذية أو ما يُسمى بالمداس المرصع بالأحجار والإكسسوارات، وعم خيرها على الجيران والأصدقاء المقربين، وتعرفت النساء إلى (المزرّاي).

وهي الأقمشة المطرزة بخيوط ذهبية أو فضية أو ملونة لامعة، والتي تقاسمت فرحتها مع الجيران المقربين، وكانت محل تقدير وحلقة قويت على إثرها العلاقات.كما اتخذت الصوغة من الهند أشكالاً عدة، والملبّس كان إحداها، وهي قطع من الحلويات الصغيرة أو السكاكر.

رحلة الحج

على الرغم من طولها وامتداد أيام سفرها، شكلت رحلة الحج مصدراً لصوغة من نوع آخر، ويستذكر بن غافان رحلة الحج التي قام بها جده في أوائل ستينات القرن الماضي، حينما أسفر عليه بهدايا متنوعة حضنتها (التنكة) صندوق من الألمنيوم لحفظ الأغراض قديماً- كان أهمها كاميرا صغيرة تضم صوراً للبيت العتيق ومناسك الحج المختلفة أو ما سُميت (عكّاسه). واتخذت العكاسة أشكالاً عدة منها الصغير والكبير الذي ضم عدداً أكبر من الصور لرحلة الحج.

وشكلت الصوغة مفهوماً استحوذ على اهتمام الأهالي، وكان محط انتظار وترقب بعد وصول الأحباء المسافرين، وعاملاً لتعزيز أواصر التراحم والتعاطف بين الجيران والأقارب، كما كانت مثار غيرةٍ وتنافس بين الأصدقاء من الصغار والنساء كذلك.

ومع ازدهار الحياة واتساع فرص السفر إلى مختلف أقطار العالم، أصبحت الصوغة ثقلاً على عاتق المسافرين، وهدايا قد لا تروق للكثيرين، بعدما كانت حلقة من الإيثار تتسع لتشمل الجيران والأصدقاء.

حيث كان التنافس قديماً في من يُقدم أثمن (الصوغات)، وأكثرها قيمة، رغبةً منهم في التقارب، وتأكيداً على مبدأ التراحم فيما بينهم، وما كانت بقيمتها المادية بل بتقديرها للآخرين، ويذكر بن غافان أحد المسافرين عندما أسفر عليهم بسيارة لاند روفر مملوءة بالهدايا، مثل الدجاج والحناء والدعون.

والرحلة إلى بلاد الشام شكلت مصدراً لصوغة الفواكه والحلويات، سوريا كذلك صوغة مميزة، تتمثل في مختلف أنواع الفواكه والحلويات، حيث عرف الأهالي قديماً أنواعاً معينة من الفواكه التي جُلبت من إيران في مواسم معينة مثل التفاح الصغير.

اليوم المائدة تزخر بأنواع الفواكه وتفيض بأصناف لا يُعرف لها اسم، يضيف ابن غافان قال القدماء «الغالي طلب رمانة في الشتاء ما يابوله» للدلالة على عسر الطلب، بينما يتوافر الرمان هذه الأيام على مدار العام. ما يؤكده تقاربت المسافات هذه الأيام، والصوغة لا تنحصر في الوقت الراهن بمواسم محددة، وذلك لسهولة المواصلات، بينما قديماً كانت تستغرق الرحلات أشهراً قد تتلف خلالها الصوغة كالأطعمة من الفواكه والحلويات.

والحكايات والطرائف في ذلك كثيرة، يقول ابن غافان: كانت الجارة توصي جارتها بصوغة معينة يجلبها زوجها من الهند في رحلته البحرية بالسفينة، كالأدوات المنزلية والأواني التي لا تتوافر إلا في الهند، مثل (الكوار)، وهو وعاء من الفخار أو المعدن يوضع فيه الجمر، فيتباهين به أمام الأخريات ويتبادلن استخدامه.

وتتجلى في الصوغة سلوكيات الإيثار والتفاني في حب الآخر، فهي تخص جارتها بكوار مميز، بينما تبدي بالمقابل كامل استعدادها لمعاونتها في المناسبات وأوقات الحاجة؛ فإحداهن تخبز والأخرى تساعدها في الطهي لا سيما عند إقامة الولائم، فكان عملاً جماعياً بامتياز.

دبي ـ أمل الفلاسي