للأسف اعتدنا اختصار السينما المصرية في موسم «الصيف» واختصار موسم الدراما التلفزيونية في شهر رمضان، ومن موسم صيف سينمائي غلب عليه العنف، ووصفه البعض بأنه الأكثر دموية.
حيث أصبح الحوار بالسيوف والمطاوي و«السنج» لغة التخاطب بين أبطال معظم هذه الأفلام، يجد المتابع للأعمال الدرامية التي تعرض في رمضان هذا العام، أنها تنطوي أيضا على جرعة زائدة ومبالغ فيها من مشاهد عنف ربما لم نشهد لها مثيلا من قبل، وكأن الهدف الأساسي لهذه الأعمال قد تحول من محاربة العنف إلى صناعته والترويج له. وتحت شعار الدراما جزء لا ينفصل عن الواقع، ولأن الواقع حسب ما يرى كتاب المسلسلات مليء بمشاهد عنف وقتل، كان متوقعا أن ينعكس ذلك على الدراما التلفزيونية في رمضان الحالي، لاسيما أن المجتمع المصري شهد في الفترة الأخيرة نوعا جديدا من الجرائم تم ارتكابها داخل الأسرة وانتهت بأحكام إعدام.
وفي إطار درامي جديد سيطر على صناع الدراما الرمضانية هذا العام، للخروج من الملل وإحداث نوع من التشويق، محاكاة للأفلام السينمائية، جاءت مسلسلات رمضان عبارة عن «قتل، دماء، عنف، وأغان»، وأصبحت السمة المسيطرة على بعضها «الرقص والشيشة والملابس المثيرة الخليعة»، وربما تكون هذه هي الطريقة التي وجدها المنتجون للاستحواذ على اهتمام المشاهد الرمضاني.ولنأخذ مسلسل «الأشرار» الذي تؤدي دور البطولة فيه كل من الراقصة دينا، والفاتنة غادة عبد الرازق ـ مثلاً ـ العمل مليء بالمشاهد الساخنة التي تعكس «المنافسة» الضارية بين البطلتين، وبالرغم من أن قصة المسلسل مستهلكة وقديمة، إلا أن كلاً من المنتج والمخرج استغلا دينا وغادة أسوأ استغلال ليتم تقديم صور مذرية لا تليق أبداً للعرض في الشهر الكريم.
ولا يختلف مسلسل «الباطنية» كثيراً عن سابقه، حيث تظهر قمصان النوم العارية، وكأنها تصر على إخراج الصائمين من دوائر مظلاتهم الروحية، إلى عالم تجار المخدرات حيث يغيم الدخان الأزرق على غالبية المشاهد.
أما مسلسل «حدف بحر»، والذي يعبر عن اسمه بحال من الأحوال، حيث تظهر سمية الخشاب كل إمكانياتها من رقص وإغراء ـ والذي منه ـ و كل ما لذ وطاب من الثياب التي ربما لا تكون عيناك قد وقعت عليها من قبل في المناطق الشعبية، بخلاف الماكياج الواضح والمرسوم على وجهها ليل نهار.
وخروجا علي روح الشهر الكريم أيضاً، وما يقتضيه من المحبة والتسامح بين الناس سيطرت أحداث العنف والقتل علي دراما رمضان،؟ حيث شهدت الحلقات الأولي في معظم المسلسلات أحداثا دموية بين الخطف ومطاردات السيارات وحرب رجال الأعمال علي الصفقات المشبوهة، وطغيان الأثرياء علي الفقراء وافتراء الأقوياء على الضعفاء، وسارت المسلسلات على اتجاه أفلام السينما نفسه، إما تعبيرا عن الواقع الذي يعيشه المجتمع المصري، وإما مسايرة للعنف الذي طغى على كل مظاهر الحياة حتى الدراما.
ومن هذه المسلسلات: «الرجل والطريق»، و«علشان مليش غيرك»، و«قاتل بلا أجر»، و«الرحايا»، و«أفراح إبليس»، و«البوابة الثانية»، و«هانم بنت باشا»، و«حرب الجواسيس»، و«ليالي»، و«الباطنية»، و«أدهم الشرقاوي»، و«اغتيال شمس»، و«هانم بنت باشا»، و«حدف بحر»، وغيرها من المسلسلات المليئة بالأكشن والعنف والقتل والدم.
يعتبر «الرجل والطريق» من أكثر المسلسلات التي تشهد جرائم قتل، فأحداثه مليئة بالدم، حيث تدور حول إحدى القرى التي تتعرض لأكثر من مرة لغزو من قطاع طرق وعصابات لسرقتها، ويترتب على ذلك ارتكاب العديد من جرائم القتل، كذلك مسلسل «أفراح إبليس»، حيث يرتكب «أبو رسلان» الذي يجسده جمال سليمان العديد من الجرائم لتحقيق أهدافه الشخصية التي يسعى إليها طوال الأحداث.
وفى مسلسل «علشان مليش غيرك» ترتكب جريمة قتل في الحلقة السابعة، حيث يقتل رياض الخولى زوج إلهام شاهين على يد أعدائه، ومن هذه الجريمة يتغير خط سير المسلسل عندما تحاول زوجته اكتشاف القاتل.
ولا يختلف الحال كثيرا في مسلسل «الرحايا»، فالغرق في النيل وجرائم القتل والصراعات بين مطاريد الجبل ورجال الشرطة هو مضمون الأحداث، والغريب أن مؤلف المسلسل عبد الرحيم كمال في لقاء تليفزيوني، أرجع كثرة هذه النوعية من المسلسلات إلى أن الجمهور في حاجة إلى جرعة من العنف يخرج فيها طاقته المكبوتة، وكأنه يسير على مبدأ «الجمهور عاوز كده» وهذه النوعية من المؤكد فشلها لفقدانها المدلول الدرامي لوجودها.
وفى مسلسل «هانم بنت باشا»، تدور الأحداث حول فتاة جميلة «حنان ترك» تجيد التعامل مع السلاح الأبيض، لتتصدى به ل«البلطجية» في سوق «زنقة الستات» بالإسكندرية، أما في مسلسل «البوابة الثانية»، فتدور الأحداث حول العنف الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني والتعذيب الذي يتعرض له العرب داخل السجون الإسرائيلية، وذلك من خلال طبيبة مصرية تبحث عن ابنها الذي اختطفته قوات الاحتلال الإسرائيلية أثناء قيامه برحلة مدرسية مع زملائه عند الحدود المصرية الإسرائيلية.
ولا يخلو «حدف بحر» من مشاهد الحزن والأكشن والمطاردات من خلال المواقف التي تتعرض لها «سمية الخشاب» البطلة التي تعمل مطربة، كذلك الأمر في مسلسل «حرب الجواسيس» الذي يتناول قصة حياة سامية فهمي، فهو مليء بمشاهد القتل والدم والمطاردات.
ولأن مسلسل «الباطنية» يتناول تجارة المخدرات والآثار المترتبة عليها، فترتكب جريمة قتل ضمن الأحداث، حيث يقتل حفيد «العقاد» صلاح السعدنى، كما يتعرض المسلسل للمطاردات بين رجال الشرطة والتجار، ويتناول مسلسل «ليالي» قصة فنانة ترتبط بعلاقة مع رجل أعمال مشهور يحاول قتلها أكثر من مرة، أما «اغتيال شمس» فيتضمن مشاهد عنف وقتل ومطاردات بالطائرات يتعرض لها الدكتور شمس حتى لا تخرج أبحاثه إلى النور.
من الملاحظ أن صناع المسلسلات أرادوا اختيار العنف والحركة ليشكلا إطارا جديدا لدراما رمضان هذا العام، بعد أن لاحظوا نجاحها في السينما إلى حد ما، ويعود ذلك أيضا إلي أن الدراما التليفزيونية كانت بعيدة لفترة طويلة عن هذا الإطار، لافتقادها التكنيك المقنع لعمل مثل هذه المشاهد.
كما أن هناك اتجاها عاما للخروج من دائرة الملل التي أصابت المسلسل المصري في السنوات الأخيرة، فالأكشن والدم أدوات من حق المؤلف استخدامها مادام لها مدلول درامي، وهناك المخرج الذي يجيد تنفيذها علي الشاشة، لكن يجب ألا تستخدم هذه الأدوات طوال الـ 03 حلقة، حتى لا ينفر الجمهور منها ويبتعد عن متابعتها.
دبي - أسامة عسل


