تتعدد الوسائل والمناسبة واحدة.. شهر رمضان المبارك الذي يغمر العالم الإسلامي بسمات دينية وروحانية واجتماعية أصيلة، يظل بالنسبة للكثيرين حالة فرح تنتشي وتدوم بلا حدود أو حواجز تعفي الجميع من تقبل الآخرين والشعور معهم.

ففي تلك المناسبة تتلون الأقطار العربية والإسلامية بعادات وتقاليد تبدو إلى الآن راسخة منذ سنوات الزمن الجميل؛ زمن بساطة الآباء والأجداد ومن سبقوهم، فيما معالم الواقع تشير باستمرار إلى مناسبة تتعلق فيها قلوب الملايين.. ولعظمة تلك المناسبة كانت لنا هذه المساحة لنجوب في عادات سودانية أصيلة تحاكي عراقة الشهر الفضيل ومكانته في قلوب المسلمين أينما وجدوا.السودانيون وبلا تخصيص أو انتقاء يؤكدون دوماً على أن رمضان هو شهر للتوبة والغفران، له مذاق خاص كزائر كريم تليق به أبهى مراسم الاستقبال، كيف لا وهو شهر مفعم بملامح الكرم والجود والعطاء والتوبة والمغفرة والإخاء بين أشقاء يجتمعون في ظلال شهر كريم..

ذلك بالتحديد ترويه لنا عزة عبده متولي حرم القنصل العام لجمهورية السودان في دبي والإمارات الشمالية.عزة متولي تقول إن الاستعداد لاستقبال الشهر الفضيل في السودان تبدأ في شهر رجب، أي قبل رمضان بشهرين، حيث تلجأ ربات البيوت إلى إعداد ما يميز هذا الشهر من أنواع المأكولات والمشروبات، لا سيما اللحوم التي تجفف إلى جانب البامية، التي تظل الوجبة الرئيسية على مائدة أهل السودان طيلة أيام الشهر الفضيل، إضافة إلى أكلات أخرى تنتعش في رمضان السودان، حيث تقوم النساء هناك بإعداد «الزريعة»، وهي عبارة عن حبوب العيش التي تطحن وتخمر بأنواع عديدة من البهارات مثل القرفة والزنجبيل والهيل.

ثم تجهز عل شكل رقائق، تعرف بعد ذلك بمشروب «الحلو مر» أو «الأبريه»، ثم تعد أطباق أخرى من الرقائق البيضاء التي تكون عوناً للصائم مع الحليب والتمر خلال السحور.تلك العادات الغذائية في السودان تعد خلال شهري رجب وشعبان، ومعها أيضاً نوع آخر من المشروبات، يكون على شكل طبقات رفيعة جداً من طحين خاص يسمى «الآبري الأبيض»، الذي يساعد في التخفيف من عطش الصائم، حيث يجهز مبرداً وتضمه موائد أهل السودان في السحور والإفطار.

أما الطبق الرئيسي فيتمثل في أنواع عدة من الأطعمة التي لا تخلو منها المائدة السودانية، منها «العصيدة» وهي طحين غليظ يوضع حاراً وسط الطبق الكبير، ويلف حوله طبخة تدعى «النعيمية» أو «التقلية»، التي تعد من اللحم والبامية المجففين، إضافة إلى الطماطم والزبادي، أو «ملاح الروب»، وهو النشا مع الزبادي والبصل، يضاف إلى صحن العصيدة.

وتضيف متولي أن بقية أطباق رمضان السودان اليومية والمصاحبة لما سبق من وجبات، هي الفول المدمس السوداني والفلافل والطعمية وسلطة الفول بالطماطم والبصل والفلفل الأخضر وزيت السمسم وسلطة الباذنجان المحمر، يضاف إلى ذلك طبق الدجاج أو اللحم والشوربة بأنواعها والسلطة الخضراء. أضف إلى ما تقدم عصائر أخرى مثل الليمون وقمر الدين والفواكه والكركديه والقونقوليس «التبلدي»، والتين والزبيب والمشمش المجفف والبقلاوة والكسترد والجلي، وهي مظاهر تميز شهر رمضان.

والطريف، كما تروي حرم قنصل السودان أن النساء يحرصن على تجديد أواني المائدة فرحة بالشهر الكريم، حتى وإن كانت البيوت مليئة بكافة أنواع الأواني.

ويزخر رمضان السودان بألوان من الترابط والتكافل الاجتماعي، حيث تجتمع عائلات كثيرة لإعداد موائد الإفطار خارج المنازل في الساحات، فكل يأتي بإفطاره ليشارك به أفراد الحي في مظهر من التآلف والتآخي، فيفرشون البساط «البروش» وينتظرون كل من يأتي عابراً قد أدركه الإفطار قبل أن يصل إلى بيته ويدعونه لتناول الطعام، ولكون هذه أصبحت عادة سودانية أصيلة فإن الطرف الثاني يلبي الدعوة دون حرج، كذلك يحرص السودانيون على أداء صلاة الجماعة أمام المنازل مكان الإفطار.

ويعتبر يوم الجمعة يوماً مقدساً في حياة السودانيين وخاصة في رمضان وهو يوم تجمع العائلات مهما بعدت أماكن سكناهم، وتجد في السودان أيضا ان البعض يصر على مفاجأة الآخرين، فعند موعد الآذان يفاجأ البعض بطرق الباب فيجدون عماً أو خالاً أو قريباً يحمل إفطاره فارضاً زيارة رمضانية دارجة في السودان على نحو يترك أثراً جميلاً في النفوس.

وكما توضح عزة متولي فإن مجالس الذكر التي تمتد في بعض الأحياء والمساجد إلى موعد السحور تنشط في رمضان السودان، وما يتبع ذلك من تلاوة القرآن وعقد الندوات والمحاضرات الدينية في قالب موجه إلى كافة فئات المجتمع.

ويمتاز رمضان السودان بخصوصية وقدسية لا تتكرر، حيث يخرج الجميع إلى الشوارع في نبرات عالية من التكبير والتهليل والتسبيح، يتقدمهم رجال الطرق الصوفية، ورجال الطوائف الدينية بالطبول والدفوف في آخر يوم من شعبان، حين تعلن رؤية الهلال، ويسمى ذلك بـ «الزفة»، فيما تظل المساجد تعج بالمعتكفين، خاصة في العشر الأواخر من رمضان توخياً لليلة القدر، والملاحظ أن المساجد تمتلأ بأنواع الطعام والشراب طيلة أيام الشهر تراحماً بين أهل الحي، ليجد المصلي والعابر كل ما يحتاجه الصائم.

أما البيوت السودانية فتعمر بعادات أخرى جميلة في رمضان، مثل تبادل الجيران أطباق الطعام في شكل تراحمي جميل، فيما تجد أن السودانيين وحينما ينتهون من أعمالهم، أو حتى بعد الإفطار يتوجهون إلى المساجد لحضور حلقات العلم. وفي السودان توفر الحكومة بإعداد خيم الإفطار الجماعي في الأسواق والأماكن العامة والمجمعات الطلابية ومواقف المواصلات والمساجد والمستشفيات طيلة شهر رمضان، فيما تتولى مؤسسات القطاعين العام والخاص مهمة توفير إفطارات جماعية للعاملين فيهما.

أما ديوان الزكاة، فقد درج في كل ولاية ومدنية في إعداد سلال رمضان، بكميات من الطحين والتمر والسكر والشاي والزيت والعصائر وغيرها من لوازم رمضان، وتوزيعها على الفقراء والمساكين.

وفي المجمل يواظب أهل السودان على أداء كثير من العبادات والشعائر الدينية طيلة أيام وليالي الشهر الفضيل، ويضاعفون من الصلاة والتسبيح والاستغفار والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، والبعض يعتكف في المسجد طيلة العشر الأواخر من رمضان.

دبي ـ عنان كتانة