إرث فني وصنعة فنية متميزة وموروث ثقافي إسلامي.. هذا هو ما تحمله لنا حبات «السبح» أو «المسبحة»، التي تشهد خلال أيام شهر رمضان المبارك رواجا غير عادي في مصر، مما يجعلها أحد مظاهره الأساسية في يد الصائمين، حيث يقبل الكثيرون على شرائها، ويزيد الطلب عليها، ولكل مقبل عليها أو ممسك بحباتها بين أصابعه هدف ما؛ فمنهم من يستخدمها للتسبيح، ومنهم من يجدها استكمالاً للزينة، والبعض يجد في إمساكها وقارًا؛ بينما يجد آخرون فيها تخفيفاً لتوتر الصيام.

وهو الأمر الذي يجعل باعة السبح ينتظرون شهر رمضان بفارغ الصبر، حيث تنشط عملية الشراء سواء من جانب الشباب، أم الكبار والشيوخ، والرواج يكون على أشده في «سوق السبح» التاريخية التي تجاور مسجد الحسين بن علي، وسوق خان الخليلي الشهيرة، فهي تشهد أشد حالات رواجها التجاري خلال هذه الأيام؛ حيث ينتشر استخدام السبح مع أشهر رجب وشعبان ورمضان.في سوق السبح يمكنك مشاهدة التجار المتخصصين في بيع السبح داخل المحلات والبازارات، ومن ورائهم تجد ورش تصنيع السبح، وهناك أيضًا الباعة الجائلون الذين يطوفون بمعروضاتهم بين زوار هذا المكان؛ خاصة المقاهي، الجميع يعرض أنواعًا لا حصر لها من السبح في الشكل والنوع واللون، وتبعًا لذلك يختلف سعر كل منها، بما يناسب جميع الأذواق والمستويات والأعمار.

سبحة الريحاني

عندما تتجول في سوق السبح فإنك حتمًا ستتوقف عند أحد محلات أفراد عائلة «الريحاني» التي ينتمي إليها أشهر وأكبر تجار السبح بحي الحسين وسط القاهرة، من بينهم تحدثنا إلى هشام الذي يقول: «عائلتي من أشهر تجار السبح بالحسين وخان الخليلي؛ فنحن نعمل في تجارتها منذ عشرات السنين، ونتوارث المهنة جيلاً بعد جيل، ويكفينا أننا نقدم للناس السبح التي تعينهم على التسبيح والتهليل والتقرب من الله سبحانه وتعالى»..

الزائر لسوق السبح يرصد وجود السبح المصرية؛ وكذلك سبح من جنسيات مختلفة جاءت إلى السوق لتجاور نظيرتها المصرية عن طريق الاستيراد.. وعن السبح المصرية قديمًا وحديثًا يقول هشام: «مصر كانت رائدة في صناعة السبح وتصديرها إلى الدول العربية والإسلامية، لكن انقلب الأمر حاليًا رأسا على عقب، وأصبحنا نستورد السبح من الخارج، خاصة من الصين وتركيا وباكستان وسوريا، وهذه الأخيرة غطت على الأنواع المصرية، فهذه الأنواع تباع بنصف ثمن السبح الأصلية، لأنها تصنع بخامات بلاستيكية أو بتقليد للكهرمان والمرجان».

وعن صناعتها فتحدث قائلاً: «أجود الخامات في صناعة السبح هو المرجان بأنواعه الأبيض والأحمر، وهذه السبح نادرة جداً، وتباع بأسعار باهظة، وهناك اليسر، وسن الفيل، ثم تأتي الخامات الشعبية الرخيصة مثل البلاستيك والخشب، والتي يشتد الطلب عليها في مواسم البيع مثل رمضان، والحج، وشهور الصيف ويطلبها السياح العرب.

يقدم هشام عدة أنواع من السبح من حيث عدد حبات المسبحة، لكنه يشير إلى أن الأكثر رواجًا وطلبًا من الزبائن المسبحة التي تتكون من 33 حبة، أو 99 حبة للتسبيح بسهولة «33 مرة سبحان الله، 33 الحمد لله، 33 الله أكبر، وتمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، أما عن سعر السبح فيتوقف ذلك على حجمها، ونوع خامتها، فكلما كبر حجم السبحة زاد سعرها.

الزائر لمحل هشام سوف يلمح لديه كتابًا يحمل عنوان «المسبحة.. تراث وصنعة»، فهو كتاب شهير يلقي الضوء على عالم السبح، ويكشف جوانب عديدة عن هذا العالم ابتداءً من أصولها التاريخية العريقة، وإلى أنواعها المختلفة، وطرق صنعها، والمواد المستعملة فيها بما في ذلك مختلف أنواع الأحجار الكريمة، وشبه الكريمة وغيرها، والخصائص الفيزيائية لكل منها، والمعلومات العلمية عنها التي لا يعرفها الكثير من الناس؛ بالرغم من شيوع استعمال السبح من قبل الملايين من الأشخاص في العالم الإسلامي.

القاهرة - دار الإعلام العربية