يمكن للمشغولات اليدوية أن تفصح عن قدرة الإنسان على الإبداع المقترن بروح البساطة وفطرة التذوق، والمرأة التي تعودت أن تكون بؤرة الجمال ومركزه لم تعدم السبل لتؤكد حضورها الجمالي بقوة فتفننت في تزيين ملابسها والحفاظ على أناقتها.

وقد تميزت المرأة الإماراتية قديماً ببصمتها الواضحة في اختياراتها الجمالية حتى إننا نجد أن التلي هو فن التطريز الإماراتي بجدارة، إذ كانت الملابس النسائية تزين بهذا الفن الجميل لتظهر بأبهى شكل. (الحواس الخمس) يغوص في ماضي هذا الفن الذي لا تزال كثير من بنات اليوم لا يعرفن شيئاً عنه، ومنهن من يرى فيه موضة قديمة لا تناسبهن.المرأة الإماراتية تعودت خياطة ملابسها وملابس أفراد أسرتها بنفسها، فلم تكن هناك محال خياطة أو خياطون تذهب إليهم فتختار ما تريد تفصيله، وإنما كانت تهتم بوجود الأقمشة لتخيط لها، ولأطفالها الملابس المناسبة، تقول أم عبد الله: كانت النساء تخيط الثياب بأيديها ثم جاءت (الكرخانة) أي ماكينة الخياطة، فصارت المرأة تستخدمها للخياطة.

ولم تكن لدينا كهرباء لذا فهي تعمل باليد، وكنا نخيط النفانيف الكيمري والشربت والكورة والحشيش وغيرها من الأقمشة الموجودة في ذلك الوقت، وكانت المرأة تستغل وقت فراغها لصناعة التلي الذي تضعه على أكمام الثوب أو الرقبة أو أطراف السروال، ولا تزال كثير من الأمهات يقمن بصناعة التلي التي توارثنها من أمهاتهن.

والتلي له أدواته التي تتوافر في كل بيت إماراتي تقريباً؛ فهو يعتمد على مجموعة من بكرات الخيوط الملونة تنسج معا بدقة، تقول سندية علي، إحدى عضوات جمعية دبا للثقافة والفنون: هذه الصناعة معروفة بين نساء الإمارات.

حيث تتكون من الكجوجة التي تمثل أساس عملية التلي والأداة الرئيسة للتطريز، وتتكون من قاعدة معدنية تثبت عليها (الموسدة)، وهي وسادة محشوة بالقطن يكون شكلها بيضاوياً، تلف عليها خيوط التلي، وكذلك (الدحاري)، وهي البكرات التي تلف عليها خيوط التلي، ويختلف عددها وطريقة صفها حسب نوع التطريز، إضافة إلى الإبر التي تثبت بها خيوط التطريز.

أما أنواع التلي فهي (بو فتلة وبو فتلتين وبو ثلاث فتلات)، حيث تحدد بعدد خيوط الزري التي تستخدم في التطريز، وكانت خيوط البريسم تستخدم في تطريز التلي، ويكون خيط الزري من الفضة التي تعمل على شكل خيوط رفيعة وتوزن بالتولة، وتأتي من أسواق الهند، كما استخدمت خيوط الصوف الملونة في نسيج التلي وصنع خيط الزري من النايلون، وخيط الزري هو خيط لماع ويأتي بالدرجة الأولى بلونين؛ الفضي والذهبي، كما يمكن استخدام الألوان الأخرى اللماعة كالأخضر والأحمر والأزرق.

وتعتمد كمية الخيوط وعدد البكرات على حسب حجم البادلة، التي تمثل قطعة التلي وتركب على الثوب سواء الأكمام أو الرقبة، وقد سميت بادلة لإمكانية تبديلة على الأثواب، ويأخذ التطريز تكنيك الظفيرة التي تنسج على الكاجوجة بطريقة خاصة تتقنها أمهات الماضي، وقد توارثنها من أمهات الماضي.

وترى أم سيف سالم أن التلي صناعة جميلة كانت تزين الثوب وتجعل المرأة تبدو كالعروس وهي ترتديه، لكن بنات اليوم لا يعرفن شيئاً عن التلي، ومنهن من يرى فيه موضة قديمة لا تناسبهن، بينما كانت المرأة تقضي أكثر من شهر في صناعة بادلة الثوب، وهي تنفق من وقتها وجهدها، وهي تطرز ثوبها فتعتني به وتعطره وتخبئه للمناسبات السعيدة.

بينما أصبحت الفتاة تشتري الثياب بكثرة، وقد ترميها من دون أن ترتديها، وإذا ما أرادت واحدة منهن أن تشتري ثوباً مطرزاً بالتلي تذهب إلى الخياط، وتدفع ثمن الثوب بالآلاف، وقد لا يعجبها فلا تلبسه، وهذا هو حال بناتنا مع تراثنا وأزيائنا التراثية، وكأن التطور والحياة الجديدة تعني أن ننسى تراثنا، وما تعلمناه من أمهاتنا.

دبي - دلال جويد