تخطف العين عندما تقع عليها.. فلا تستطيع أن تقاوم جمالها وبريقها ولمعانها، ولا تملك إلا أن تتقدم نحوها معلنًا شراءك لها مهما كان سعرها لتضعها كقطعة ديكور في منزلك تحمل رائحة الماضي العتيق.. هذا هو الحال عند تجولك في سوق «النحاسين» العتيقة في قلب القاهرة الفاطمية، على مقربة من مسجد الحسين بن علي.

حيث استمدت هذه السوق تسميتها من شهرتها بتصنيع وتلميع وبيع الأدوات النحاسية بأنواعها المختلفة وأشكالها، وكل ما يتعلق بهذا المعدن الثمين، والذي يتوفر في صورته الخام، إلى جانب إتقان الصُناع المصريين لصناعته، والنقش عليه؛ بل وضع تصميمات زخرفية ذات أبعاد جمالية مميزة.لا تزال السوق القديمة رغم تراجع استخدام الأواني والقدور النحاسية تجذب زوارها الهادفين إلى اقتناء التحف والأنتيكات النحاسية، ولكن مع فارق بسيط أن زوارها فيما مضى كانوا من البسطاء، ومن المصريين فقط، لكن اليوم أصبح زوار السوق من عِلية القوم، ومن السائحين الأجانب بعد أن تحول النحاس وارتبط بمفهوم الوجاهة الاجتماعية.

ومن اللافت أن الحركة التجارية في أسواق ومتاجر النحاس تنشط بشكل ملحوظ في أيام شهر رمضان المبارك، ففي السنوات الأخيرة أصبحت أواني النحاس قطعة ديكور لها بريقها الخاص والجذاب في الشهر الكريم، فهي رمز للتراث والأصالة الإسلامية.

وتعبير عن الديكور الشرقي، حيث تقبل عليها بعض الفنادق الكبرى بالقاهرة، وأيضًا ربات البيوت «الهاي كلاس» لإشاعة جو مختلف خلال ليالي رمضان، فتتزين أركان الفنادق والمطاعم والمنازل بقدرة الفول النحاسية، وأواني الزرع، وأطقم الشاي المكونة من الصينية النحاسية الشهيرة والبراد والأكواب أو بفناجين القهوة وبرادها، وهو ما يجذب الكثير من الأجانب والسائحين والوافدين إلى مصر.

حركة بيع منتعشة

هذا العام تزدهر سوق النحاس إذ يأتي رمضان موصولاً بموسم السياحة الصيفي، مما أنعش حالة البيع والشراء بما يعوض ركود وخمول الأشهر الماضية بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية.

حيث يزداد الطلب على المقتنيات النحاسية؛ والمتجول بين البازارات ذات الطابع المميز في حي الحسين في شارعي المعز لدين الله «النحاسين سابقاً»، وسوق خان الخليلي، سيجد أنها تتيح للسياح الأجانب أحجاماً مختلفة من التحف والأنتيكات والأواني النحاسية، بينما يتبارى السائحون لشراء هذه التحف أو حتى التقاط الصور التذكارية بجانبها!.

كما أن هناك اتجاهًا آخر بدأ يظهر بسوق النحاسين، وهو لجوء بعض الورش والصُناع إلى صناعة الإكسسوارات والحلي والديكورات من النحاس، وهو اتجاه تزعمه بعض الشباب من خريجي الجامعات، ثم ما لبث أن انتشر بكل الورش بسبب رخص وبساطة هذه الإكسسوارات، حيث يمكن أن يتم تصنيع طقم كامل من الحلي بالنحاس، ويكون له سعر خاص يصل إلى 500 جنيه!.

تاريخ طويل

تاريخ سوق النحاسين قديم، وإن لم يكن محددًا متى كانت بدايته، إلا أنه يمكن القول إنه كان يرتبط بالأواني النحاسية التي كانت جزءًا لا غنى عنه في كل بيت مصري فيما مضى؛ خاصة في جهاز العروس التي كانت تتباهى بين الناس بما تمتلكه من أوانٍ نحاسية، ومن أطباق وفناجين القهوة، وصوانٍ، وقدرة طهي الفول، وكانت الأسر إذا مرت بضائقة مادية باعت نحاسها، كما كانت مهنة مبيض النحاس من المهن المزدهرة على مدى سنوات طويلة.

لكن الحال سرعان ما تبدل وانحسرت الأواني النحاسية أمام نظيرتها المصنعة من الألمونيوم، وأمام ارتفاع الأسعار، لتصبح وتتحول إلى قطعة من التراث لا يشتريها إلا الأغنياء.

القاهرة - دار الإعلام العربية