لرمضان استحقاق ديني واجتماعي وثقافي لا يستثني أحداً في دولة ما، فهو الشهر الذي تجتمع فيه القلوب على حب واحد، وتتشارك فيه المبادرات الإنسانية في قالب موحد، يقرب البعيد ويمنح القريب فرصة أخرى من العطف والحنان، ولا يترك فقيراً وحيداً، لذلك خصه المولى عز وجل بكثير من الملامح السماوية التي لا تقرن بها شهور أخرى.

في العراق أرض الرافدين وبلد الحضارات، يندمج هناك مع ممارسات دينية واجتماعية وثقافية عريقة، تجعل من رمضان شهراً مقرباً إلى النفوس مهما قسى نهاره على الصائمين، الذين بمجرد أن تبتل عروقهم بماء دجلة والفرات، تنغمس قلوبهم في متعة تبدو أزلية، كيف لا ورمضان الشهر الكريم لا يدخل بيت عراقي إلا وتدخل معه بركات لا تنتهي بغروب شمس اليوم الأخير من الشهر الفضيل.من أجل رسم لوحة معبرة عن رمضان العراق بكافة تفاصيله المعاشة، تحدثت باسمة عبد الحسين جاسم حرم القنصل العام لجمهورية العراق في دبي والإمارات الشمالية، إلى «الحواس الخمس»، مانحة بلدها فرصة التعريف بحق رمضاني معاش على أرض الرافدين.

العراقيون جميعاً يستعدون مبكراً لاستقبال شهر رمضان المبارك، وذلك من خلال التسوق في المحال التجارية، أو ما يعرف عند العراقيين بـ «سوق الشورجة»، والهدف شراء مستلزمات المائدة الرمضانية التي عادة ما تكون عامرة بالأكلات العراقية الأصيلة، والعصائر المختلفة، مثل عصير الزبيب وقمر الدين «المشمش» وعصير الليمون «النومي بصرة» كما هو شائع في العراق، بالإضافة إلى اللبن والتمر العراقي المضاف له السمسم واللوز والجوز.ويعتبر العراقيون شهر رمضان فرصة مثالية تستغل للعبادة والتقرب إلى الله، وقراءة القرآن والتوجه إلى المساجد التي تغص بالمصلين، لا سيما في صلاة التراويح، ناهيك عن تجمع العائلات في البيوت وإقامة الصلاة فيها وقراءة القرآن، وبهذا النهج ينسجم العراقيون مع بركة الشهر الفضيل الذي يعني لهم السلام والتسامح والتقرب إلى الله عز وجل.

ويمتاز شهر الصوم في العراق بكثرة التزاور بين الأقارب والأصدقاء، والسهر والسمر حتى السحور، ومن السلوكيات المميزة أيضاً خلال هذا الشهر، هو احترام أبناء الديانات الأخرى للصائمين من مسلمي العراق، وتجنب الأكل والشرب علناً، وذلك احتراماً لمشاعر المسلمين ولعظمة الشهر الفضيل.

العراقي الصائم يمارس حياته اليومية في إطار من الاحترام والإلتزام، بما تفرضه عليه أحكام الشريعة الإسلامية، فهو يعيش يومه صائماً متعبداً، ويمارس عمله من باب أن العمل عبادة. وفي العراق، تقام في كل عام مأدبات إفطار للمحتاجين من أبناء الشعب التي يتولى أمرها الميسورون، فيما يمارس العراقيون على اختلاف طبقاتهم وأماكن سكناهم أيام رمضان وبعد الإفطار تحديداً، لعبة شعبية تقليدية، وهي «لعبة المحيبس»، المعروفة لدى العراقيين وترافقها نغمات تراثية وما يعرف بـ «الجالغي البغدادي».

ومما هو معروف في رمضان العراق، أن كثيراً من الشباب يرتادون المقاهي بعد الإفطار بهدف التسامر وسماع القصص والأحاديث ممن سبقهم تجربة في الحياة.

ملمح آخر يميز الحياة الرمضانية في العراق، وهو تعاون الأسرة العراقية فيما بينها، كما هي عليه في بقية الأيام لكن ما يميز رمضان لدى العائلة العراقية هو التعاون المطلق بين أفراد الأسرة في إعداد مأدبة الإفطار والتنويع فيها

وفي نهار رمضان العراق كما تشير باسمة جاسم، معظم المسلمين القادرين على التواصل سواء في العمل أو في الأسرة، يلبون نداء المساجد وإقامة الفرائض، إضافة إلى قيامهم بواجباتهم اليومية، عدا أنهم يتمتعون بالخروج مبكراً من أماكن عملهم الحكومية، ليتسنى لهم أخذ قسط من الراحة وإعداد مأدبة الإفطار.

وعلى ذكر موائد الإفطار العراقية، فهي تزخر بالأكلات الشعبية والتقليدية المحببة لدى الجميع، منها «الدولمة» و«القوزي» و«البرياني»، علاوة على أنواع مفضلة من العصائر، مثل الزبيب وقمر الدين والتمر الهندي والليمون، وكذلك إناء حساء العدس.

ولعل أبرز الأمسيات الرمضانية تظل مشتعلة سواء من قبل الأصدقاء أو التجمعات العائلية، ويكون محورها لعبة «المحيبس» مع النغمات المحببة والمناسقة لها. وفي المجمل، يعتبر العراقيون كما تؤكد حرم القنصل العراقي، شهر رمضان فرصة كبيرة يستغلونها للعبادة وقراءة القرآن، وذلك من خلال الذهاب إلى المساجد لأداء الصلوات الخمس وصلاة التراويح خاصة، ناهيك عن ممارسات أخرى حميدة تنشط لدى العائلات والأصدقاء، وتتجلى في تبادل الزيارات ودعوات الإفطار، والشعور مع الجيران والفقراء، بحيث يبدو رمضان العراق وكأنه منشط ومحفز فعال لمختلف السمات الطيبة في شريعتنا السمحاء.

وفي وداع الشهر الفضيل، تكسر ملامح الحزن في نفوس العراقيين فرحة استقبال العيد، الذي تتهيأ له العائلات بشكل مطلق، لا سيما وأنه يأتي بعد ختام 30 يوماً من الصوم، وتكون استعدادات العائلات في شراء الملابس الجديدة، والاحتفال بفرحة الصوم كفريضة دينية، ولا تغيب عن المشهد العراقي لحظات يجتمع فيها الأهل والأصدقاء مسترجعين لحظات جميلة لا تنسى مروا بها خلال مرحلة الصوم.

تلك الممارسات والعادات المفرحة تكون خلال زيارة الناس لبعضهم البعض، وبالطبع يبقى الصغاربمثابة الفرحة الدائمة خلال العيد، حيث تنتهي جلسات الأهل والأصدقاء البهيجة وتهنئة العائلات لبعضها البعض، بمنح الصغار مبالغ من المال تسمى العيدية، التي يجمعها الأطفال لشراء ما يحلو لهم من حلويات وألعاب، في مواقف تبقى في ذاكرتهم وذاكرة الآباء والأجداد.

دبي ـ عنان كتانة